يمر لبنان اليوم بمنعطف تاريخي هو الأكثر خطورة وحرجاً في تاريخه الحديث. فبينما تعصف بالبلاد رياح الحروب وتتوالى الأزمات الأمنية والاقتصادية لتلقي بظلالها الثقيلة على حياة المواطنين، تصبح العودة إلى الجذور والثوابت الوطنية لزاماً على كل لبناني.
وفي هذا السياق، لم تعد الشعارات المرفوعة في شوارع العاصمة بيروت، وعلى رأسها شعار: علم واحد سيادة واحدة، مجرد كلمات عابرة على لوحات إعلانية، بل تحولت إلى صرخة وجدانية ودعوة ملحة لإعادة ترتيب الأولويات الوطنية، وتذكير الجميع بأن قوة لبنان تكمن في تلاحمه، وأن صمام الأمان الوحيد في وجه العواصف هو الوحدة الوطنية ونبذ كل أشكال الفتنة.
إن التجربة التاريخية للبنان تثبت، بما لا يدع مجالاً للشك، أن الاختراق الأكبر الذي يمكن أن يهدد كيان هذا الوطن لا يأتي فقط من في الحرب عليه، بل من تصدع الجبهة الداخلية. في زمن الحرب، حيث يصبح الوعي الوطني هو الخط الدفاعي الأول. فالعدو لا يميز بين منطقة وأخرى أو طائفة وانتماء، والدمار الذي يحل بالبنى التحتية ويهجر الآلاف يصيب الجسد اللبناني بأكمله.
من هنا، تبرز أهمية التضامن الاجتماعي والإنساني الذي شهده لبنان في الأيام الماضية كنموذج يحتذى به، حيث فتحت البيوت والمدارس والمؤسسات أبوابها لاحتضان النازحين، مؤكدة أن الهوية اللبنانية الجامعة تتفوق دائماً على أي حسابات فئوية ضيقة. وهذا التلاحم العفوي هو الرد الحقيقي والعملي على كل محاولات زرع الشقاق، وهو الأساس الذي يجب البناء عليه لتحويل التضامن إلى استراتيجية وطنية دائمة تحمي البلاد وتصون كرامة أبنائها
في العصر الرقمي الحالي، لم تعد الحروب تقتصر على الجبهات العسكرية، بل امتدت لتشمل "حروب الكلمات" والشائعات التي تجد في وسائل التواصل الاجتماعي أرضاً خصبة للانتشار. وإن استخدام هذه المنصات كأدوات لبث التفرقة وتأجيج الأحقاد الطائفية أو السياسية يمثل طعنة في خاصر الوطن وهو يواجه أزماته.
لذلك، فإن المسؤولية تقع اليوم على عاتق كل مواطن، ومثقف، وإعلامي، في أن يكون سداً منيعاً أمام الطروحات التحريضية والمشاريع المشبوهة التي تسعى لخدمة مصالح خارجية على حساب المصلحة اللبنانية العليا. وإن التمسك بالحوار البناء والخطاب العقلاني الرصين هو السبيل الوحيد لإحباط هذه المخططات، فحرية التعبير يجب أن تكون أداة لبناء الجسور لا لهدمها، ولتعزيز مناعة المجتمع لا لتفكيك روابطه.
وإن شعار "سيادة واحدة ، علم واحد" يحمل في طياته تأكيداً صريحاً على ضرورة الالتفاف حول مؤسسات الدولة الشرعية، وفي مقدمتها الجيش اللبناني، باعتباره الحاضن لجميع أبناء الوطن والضامن الأساسي للاستقرار. وفي ظل الظروف الراهنة، يحتاج لبنان إلى قيادة وطنية حكيمة تدير الملفات السياسية والدبلوماسية بحنكة بالغة، وتخوض المفاوضات الإقليمية والدولية بعين ساهرة على مصالح لبنان العليا وسيادته الكاملة غير المنقوصة.
كما أن استعادة لبنان لعافيته تتطلب تعزيز علاقاته مع أشقائه في الدول العربية، وبناء شراكات قائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، بما يسهم في كسر عزلة البلاد الاقتصادية وفتح آفاق جديدة للازدهار والنمو بمجرد توقف آلة الحرب.
إن الأزمات الكبرى هي التي تصنع صمود الأمم، ولبنان، الذي نهض مراراً من رماد الحروب، قادر اليوم على تجاوز هذه المحنة إذا ما اتحدت إرادة بنيه. وإن التمسك بقيم الوحدة والسيادة والاستقلال ليس ترفاً فكرياً، بل هي مسألة وجود. من خلال رفع راية العلم اللبناني الواحد فوق كل الرايات، والتعالي على الجراح، والعمل المشترك لبناء دولة المؤسسات والقانون، ويستطيع اللبنانيون طي صفحة الآلام والانطلاق نحو مستقبل آمن، مستقر، ومزدهر يليق بتضحياتهم وبتاريخ هذا الوطن العريق.