لا يمكن النظر إلى مشروع إنشاء لجنة عليا مشتركة بين لبنان وسوريا بوصفه تفصيلًا إداريًا في روزنامة العلاقات الثنائية، معزولًا عن سياقه السياسي والزمني. فالمسألة تتجاوز شكل الإطار الجديد إلى سؤال أعمق حول ما إذا كان البلدان قد دخلا فعلًا مرحلة إعادة تأسيس للعلاقة على قاعدة المصالح والمؤسسات، أم أن ما يجري ليس أكثر من انتقال من تسمية قديمة إلى تسمية جديدة، فيما تبقى المخاوف نفسها كامنة في الخلفية.
لا شك أنّ الذاكرة السياسية اللبنانية مع الأطر التنسيقية المشتركة ليست تقنية محضًا، فهي محمّلة بإرث معقّد اختصره المجلس الأعلى السوري - اللبناني في مرحلة سابقة. فهذا المجلس لم يكن، في الوعي السياسي اللبناني، مجرد آلية تنسيق بين دولتين جارتين، إذ لطالما عُدّ رمزًا لمرحلة كاملة من الاختلال في ميزان العلاقة وموازين القوى. ولذلك، فإن إلغاءه أو تجاوزه لا يكفي وحده لإنتاج علاقة مختلفة.
الاختبار الحقيقي يبدأ بالإجابة عن مجموعة أسئلة قد تبدو بسيطة في الظاهر، لكنها تحمل الكثير من المعاني والدلالات في العمق: من يملك سلطة فرض جدول الأعمال؟ وهل ستخضع الاتفاقات الموروثة لمراجعة ندّية؟ ومن يراجع الاتفاقات القديمة؟ وقبل هذا وذاك، هل ستمرّ الملفات عبر القنوات الدبلوماسية والمؤسساتية الرسمية، أي الحكومات والوزارات والسفارات، أم يُعاد فتح "المسارب الموازية" تحت مسمّيات جديدة؟
من المجلس الأعلى إلى اللجنة المشتركة
في المبدأ، لا تكمن أهمية الانتقال من المجلس الأعلى إلى اللجنة المشتركة في الشكل وحده، على أهميته. فالإطار القديم ارتبط، سياسيًا ونفسيًا، بزمن كانت فيه العلاقة بين لبنان وسوريا غير متوازنة، وكانت فيه المؤسسات اللبنانية غالبًا الحلقة الأضعف في إدارة الملفات المشتركة. لذلك، فإن أي إطار جديد يجب أن يبدأ من قطع الصلة مع منطق المرحلة السابقة، لا من إعادة تدويرها بعبارات أكثر حداثة.
هذا لا يعني أن لبنان يستطيع إدارة علاقته بسوريا من دون آلية تنسيق دائمة. فالجغرافيا وحدها تكفي لفرض التعاون في ملفات حيوية لا تحتمل الارتجال، مثل ملف النازحين، والطاقة، والتبادل القضائي. لكن الحاجة إلى التعاون شيء، وطبيعة هذا التعاون شيء آخر. فالتنسيق المطلوب اليوم يجب أن يكون بين دولتين، لا بين أجهزة أو قنوات موازية، وبين حكومتين، لا بين مراكز نفوذ تتجاوز المؤسسات.
من هنا، تبدو مراجعة الاتفاقات الثنائية جوهر المسار الجديد. فاللجنة لن تكون مفيدة إذا اكتفت بإدارة الملفات اليومية أو ترتيب الزيارات والاجتماعات. قيمتها الفعلية تظهر إذا وضعت الاتفاقات القديمة على طاولة المراجعة القانونية والسياسية والاقتصادية، للتمييز بين ما لا يزال يخدم المصلحة المشتركة وما يجب تعديله أو إسقاطه.
فالعلاقة الجديدة لا تُبنى بإلغاء الماضي لفظيًا، وإنما بإخضاعه لمراجعة سياسية وقانونية واقتصادية واضحة. كما أن أي لجنة مشتركة تحتاج إلى سقف سياسي واضح يمنعها من التحول إلى إطار فضفاض. فالمشكلة في التجارب السابقة لم تكن دائمًا في غياب النصوص، وإنما في غياب التوازن داخل آليات التنفيذ. لذلك، فإن نجاح الصيغة الجديدة يرتبط بقدرة لبنان على الدخول إليها بموقف محدد: ماذا يريد من سوريا؟ وماذا يمكن أن يقدّم؟
الاقتصاد بوابة العلاقة الجديدة
إذا كان من مدخل أقل حساسية لإعادة ترتيب العلاقة بين لبنان وسوريا، فهو الاقتصاد.
فالمعابر، ورسوم العبور، والروزنامة الزراعية، والتجارة، والنقل، والأسواق، كلها ملفات لا تنتظر التسويات الكبرى. وهي، في الوقت نفسه، تصلح لاختبار جدية الطرفين في بناء علاقة قائمة على المصلحة لا على الخطاب. فالمزارع اللبناني لا يعنيه اسم اللجنة بقدر ما يعنيه أن تصل بضاعته إلى الأسواق بكلفة أقل، والتاجر لا ينتظر بيانًا سياسيًا بقدر ما ينتظر قواعد واضحة للعبور والتبادل.
من هنا، يكتسب الحديث عن مجلس أعمال لبناني - سوري مشترك أهمية خاصة. فإشراك القطاع الخاص قد يكون مدخلًا عمليًا لنقل العلاقة من لغة المجاملات الدبلوماسية والسياسية إلى لغة المصالح القابلة للقياس، وهو ما قد يشكّل نقطة قوة في أي مسار جديد. فبدل أن تبدأ العلاقة من العناوين الكبرى التي تستحضر الانقسام الداخلي اللبناني فورًا، يمكن أن تبدأ من الملفات القابلة للقياس.
لكن هذا المسار لن يحقق خرقًا حقيقيًا إلا إذا اقترن بإصلاحات واضحة: تنظيم المعابر وضبطها، من أجل ضمان انسياب البضائع من دون عوائق غير مبررة ترهق المصدّرين، وتوحيد الرسوم، لحماية الإنتاج المحلي بما يضمن مصلحة المزارع والمصدّر اللبناني، ومكافحة التهريب الذي يستنزف اقتصاد الدولتين ويحوّل الحدود إلى ثغرة مستمرة.
عمومًا، ليس سرًا أن الاقتصاد ليس ملفًا محايدًا بالكامل. ففي العلاقة اللبنانية - السورية، لطالما اختلط الاقتصادي بالأمني والسياسي. فالمعابر ليست مجرد نقاط تجارية، والتهريب ليس مجرد خلل إداري، والروزنامة الزراعية ليست تفصيلًا تقنيًا. كلها عناوين تتصل بسيادة الدولة وقدرتها على إدارة حدودها ومصالح قطاعاتها المنتجة. لذلك، فإن الاقتصاد يمكن أن يكون بوابة علاقة جديدة، شرط ألا يتحول إلى غطاء لتجاوز المؤسسات أو لإعادة إنتاج نفوذ غير معلن.
التطمينات الأمنية وحدود الثقة
في موازاة المسار الاقتصادي، تبرز الهواجس الأمنية التي لا تزال ترمي بثقلها على العلاقة الثنائية، رغم المواقف الرسمية التي لا تزال إيجابية إلى حد بعيد، وآخرها ما سُرّب عن تطمينات سورية وصلت إلى بيروت بأن دمشق لا تملك خططًا للتدخل عسكريًا في لبنان. وتكتسب هذه التسريبات أهميتها من حيث التوقيت أولًا، فهي تأتي في لحظة إقليمية حساسة، خصوصًا في ظل القلق من تحولات الحدود، ودور القوى المسلحة، وحضور التنظيمات المتشددة في بعض المناطق السورية، فضلًا عن حسابات إيران و"حزب الله" وتركيا في المشهد الأوسع.
لكن التطمينات، مهما كانت مهمة، لا تكفي وحدها لبناء علاقة مستقرة. فالمشكلة بين لبنان وسوريا لم تكن يومًا في التصريحات فقط، وإنما في غياب آليات تترجم التعهدات إلى قواعد عمل. لذلك، فإن التطمينات، على أهميتها السياسية، تظل "إعلان نوايا" ما لم تُترجم إلى آليات مؤسساتية واضحة تضمن ضبط الحدود ومنع التهريب والتوترات، وقبل ذلك، عدم العودة إلى منطق التنسيق غير الخاضع للمساءلة.
هنا يبرز ملف النازحين والحدود والتهريب بوصفه اختبارًا مركبًا. فهذه ملفات تحتاج إلى تنسيق مباشر بين الدولتين، لكنها تحتاج أيضًا إلى شفافية داخلية في لبنان، وإلى توافق حكومي وسياسي حول كيفية إدارتها. فإذا جرى التعامل معها بمنطق الضغط المتبادل أو المقايضة، ستتحول اللجنة الجديدة سريعًا إلى ساحة اشتباك بدل أن تكون أداة حلّ.
التحدي الأكبر أن تعود الملفات الأمنية لتتقدم على كل ما عداها. صحيح أن بين لبنان وسوريا ملفات أمنية وقضائية وحدودية لا يمكن القفز فوقها، لكن الخطورة الحقيقية تكمن في إعادة تقديم "الملف الأمني" ليكون المدخل الوحيد والمهيمن على العلاقة، وهو ما قد يعيد إنتاج منظومة التنسيق غير الخاضع للمساءلة. المطلوب أن يكون الأمن جزءًا من استراتيجية دولة شاملة، لا بديلًا منها، وأن تمر الملفات الحساسة عبر المؤسسات الرسمية، لا عبر قنوات جانبية يصعب ضبطها أو مساءلتها.
علاقة جديدة أم ذاكرة قديمة؟
تقف اللجنة اللبنانية - السورية المقترحة اليوم على مفترق طرق. فهي قد تكون فرصة حقيقية إذا تعامل معها لبنان كمدخل لإعادة بناء العلاقة على قاعدة الندية والمصالح والمؤسسات. وقد تتحول، في المقابل، إلى عبء جديد إذا اكتفت بتغيير الاسم من دون تغيير قواعد اللعبة. فالاختبار لا يكمن في إنشاء اللجنة، وإنما في مضمونها، وصلاحياتها، وطريقة عملها، ومدى قدرتها على مراجعة الماضي لا الالتفاف عليه.
لبنان يحتاج إلى علاقة مستقرة ومنظمة مع سوريا، كما تحتاج سوريا إلى علاقة واضحة مع لبنان. لكن الاستقرار لا يعني العودة إلى صيغ رمادية، والتنظيم لا يعني إحياء أطر فوق الدولة. بين البلدين جغرافيا لا يمكن تجاهلها، ومصالح لا يمكن تعطيلها، وذاكرة لا يمكن القفز فوقها. لذلك، فإن نجاح الإطار الجديد لن يُقاس بعدد الاجتماعات أو بجمالية البيانات الصادرة، وإنما بإجابة واضحة وعملية عن سؤال واحد: هل نحن أمام ولادة علاقة ندية فعلًا، أم مجرد اسم جديد لعلاقة قديمة لم تغادر مكانها؟.