"مُلْكُ الأرضِ في يَدِ الرَبِّ، فَهوَ يُقيمُ عَلَيهَا في الأوانِ اللائِقِ مَن بِهِ نَفعُها." (يَشوعُ بِن سيراخَ 10/4). بِهَذِهِ الآيَةِ إفتَتَحَ مَجمَعُ دَعاوى القِدّيسينَ مَرسومَ إعلانِ بُطولَةِ فَضائِلِ البَطريَركِ الياسَ الحوَيّكِ، الَذي بِموجَبِهِ أُعلِنَ مُكَرَّماً.) 5 تَمّوزُ 2019).
وفي 22 أيَّارَ 2026، وَقَّعَ الحَبرُ الأعظَمُ البابا لاوُنُ الرابِعُ عَشَرَ مَرسومَ إعلانِ البَطريَركِ المُكَرَّمِ، "أبِ لبنانَ الكَبيرِ"، طوباوِيَّاً.
الياسُ الحوَيِّكُ.
ذاكَ الَذي، يَومَ كانَ بَعدُ شابَّاً إكليريكِيَّاً، طالِباً في روما، كَتَبَ "شَرحَ أعمالِ الرُسُلِ" بَينَ عامَي 1867-1868، وَدوَّنَ فيهِ: "وَطَنَ النَصارى إنَّما هوَ في السَماءِ..." أمِن هَذا الوَطَنِ السَماوِيِّ، أرسى لبنانَ وَطَنَ السَماءِ عَلى الأرضِ؟ أتِلكَ جُرأتُهُ؟ بَل بُطولَةُ شَجاعَتِهِ الُلبنانَوِيَّةِ. وَحدَهُ، وَقَبل إيٍّ كانَ، أدرَكَ أنَّ لبنانَ مِن فَوقٍ وَالى فَوقٍ، وَأنَّ الفَوقَ وَمِنهُ وَبِهِ، لبنانُ. أو لا يَكونُ.
الياسُ الحوَيِّكُ الكَبيرُ.
ذاكَ كَمالُ لبنانَ الَذي لَم يَتَحَقَّق إلَّا بِهِ، عَلى ما إعتَرَفَ بِهِ خَليفَةُ بُطرُسَ الحالي.
ذاكَ الَذي إختارَتهُ العِنايَةُ فَإختارَ أن يَكونَ لبنانَ، عَلى ما إعتَرَفَ بِهِ خَليفَةُ بُطرُسَ السابِقَ.
الياسُ الحوَيِّكُ رَجُلُ اللهِ.
هوَ الصارِخُ بِهَذِهِ الحَقيقَةِ: إنتِماءُ الُلبنانِيِّينَ إلى وَطَنَينِ مُتَكامِلَينِ-واحِداً: "لا تَغفَلوا عَن أنَّ لَكُمُ وَطَنَينِ الأرضيُّ والسَماوِيُّ، الأوَّلُ بَعدُ الثانيَ والثانيُ يُكَمِّلُ الأوَّلَ، وَأنَّكُمُ في الأوَّل كَعابِري سَبيلٍ وَأمّا في الثانيَ فَتَكونونَ في بَيتِ أبيكُمِ". ("حَياةُ الشُعوبِ"، بكِركي 11 كانونَ الثانيَ 1922). وَقَد أوصى: "لِنَدَع مَحَبَّتَنا للهِ تَمتَدُّ إلى مَحَبَّةِ الوَطَنِ." ("مَحَبَّةُ الوَطَنِ"، بكِركي 8 كانونَ الأوَّلِ 1930)، بَعدَما أوضَحَ: "عَلى هَذا المِنوالِ تَكونُ مَحَبَّتُكُمُ الفائِقَةُ الطَبيعَةَ قَد (...) إمتَدَّت مِنَ الأرضِ الى السَماءِ حَيثُ تَثبُتُ مَعَنا الى الأبَدِ." ("مَحَبَّةُ الكَنيسَةِ"، بكِركي 5 كانونَ الأوَّلِ 1929).
في تَمامِ هَذا الرِضى ثَباتُ سَرمَدِيَّةِ لبنانَ بِأبَدِيَّتِهِ، وَأبَدِيَّتِهِ بِسَرمَدِيَّتِهِ. هوَ في الجَسَدِ-التُرابيِّ مِنَ الأُلوهَةِ، وَفي الأُلوهَةِ-المُتَجَسِّدَةِ بِالحَياةِ. وََمن كانَ لِيُدرِكَها تِلكَ الأُبوَّةُ أكثَرَ مِنَ الأبِ الأقدَسِ، "إبنُ أغوسطينوسَ"، الُلبنانيّ القائِلِ: "لَقَد صَنَعتَنا لِأجلِكَ يا رَبُّ وَقَلبُنا لا يَزالُ مُضطَرِباً حَتَّى يَطمَئِّنَ لَدَيكَ" (خَواطِرُ فَيلَسوفٍ في الحَياةِ الروحِيَّةِ)، لِذلَكَ أسماهُ في مَرسومِ إعلانِهِ طوباوِيَّاً: "أبَ لبنانَ الكبيرِ". لِأنَّ لبنانَ لا مِن ضَوضاءِ أشرارٍ كَينونَتُهُ، وَلا إلَيهِمِ مَآلُهُ. إنبِثاقُهُ مِنَ الأُلوهَةِ، وَبَنوهُ إلَيها، مَنبَعاُ وَمَآلاً.
قَصدُ المُستَقبَلِ
الأُلوهَةُ قَصدُ المُستَقبَلِ، لا الحاضِرِ فَحَسبَ، وَلا الماضيَ في عُبورِهِ لِإنقِضاءٍ.
قَصدُ المُستَقبَلِ هَذا، ناضَلَ مِن أجلِهِ بِالقَداسَةِ. تَمَسَّكَ بِهِ بِالقَداسَةِ. حَقَّقَهُ بِالقَداسَةِ... يَومَ الشَيطانُ طَليقاً يَتَبَدَّى ظافِراً وَيَتَغاوى جَلَبَةً، مُفنياً العالَمَ، أنظِمَةً وَشُعوباً وَدوَلاً، في أهوالِ الحَربِ العالَمِيَّةِ الأولى.
يَومَها، ثُلثُ بَنيهِ مِنَ المَوارِنَةِ أُبيدوا بِالمَجاعَةِ، وَأبناءُ مِلَّتِهِ يُبادونَ بِالبَطشِ مِن أرمَنَ وَسِريانَ وَأشوريِّينَ...، والطاغِيَةُ يُعَلِّقُ في ساحَةِ بَيروتَ مَشانِقَ الأحرارِ لِمُطالَبَتِهِمِ بِالحُرِيَّةِ حَقَّاً، وَيُهَدِّدُهُ بِالمَصيرِ عَينِهِ. وِهوَ يَصعَدُ إلَيهِ حَبَّةَ حِنطَةٍ مُدرِكَةٍ أنَّها إنْ ماتَت أتَت بِالحِصادِ الكَبيرِ.
يَومَها، واجَهَ وَحيداً. وَوَحيداً حَقَّقَ جَوهَرَ لبنانَ-العَطِيَّةِ-وَطَناً.
هوَ، أوحَدُ بَطارِكَةِ المَوارِنَةِ، الصارِخُ بِوَجهِ مُتَسَيِّدِ زَمَنِهِ: "أنا بَطرِيَركُ المَوارِنَةِ. طائِفَتي لبنانُ، وأنا لِكُلِّ الُلبنانيِّينَ."
"أُقِيمَ في الأوانِ اللائِقِ"، مِن فَوقِ. وَمِن فَوقِ لِمَجدِ الفَوقِ، أقامَ لبنانَ الكَبيرَ، "أرضاً" لِأرضٍ. كيانِيَّةً لِ"يَدِ" السَماءِ.
هوَ الياسُ الحوَيِّكُ. العَظيمُ!