وصلنا حالياً الى ما تحدث عنه الكثير من المحللين والمتابعين، وها هي المنطقة تترقب ما سيسفر عن التقارب الاميركي-الايراني بعد ان كانت الحرب لغتهما بتحريض ومشاركة فاعلة من قبل اسرائيل. ردّة الفعل الموضوعية تفرض القول بأنّ ما يجري ليس "اتفاق سلام" بالمعنى التقليدي، ولا "هزيمة" لطرف أو "انتصاراً" كاملاً لطرف آخر، بل محاولة لإعادة تنظيم الصراع الإقليمي ضمن قواعد اشتباك أكثر هدوءاً وأقل كلفة، مع ميزة بارزة جداً، وهي نجاح اميركا في ابعاد اوروبا او التخفيف من حضورها في المنطقة بشكل كبير. اما الاهم، فكان اقتناع الرئيس الاميركي ​دونالد ترامب​ بأن "الفخّ" الذي نصبه له رئيس الوزراء الاسرائيلي ​بنيامين نتنياهو​ كلّفه غالياً، خصوصاً وان كلفة الحسم العسكري أصبحت أعلى من قدرة الادارة الاميركية على تحمّلها، وأن التعايش مع الصراع بات حالياً الخيار الأكثر واقعيّة. ولكن، اين تقف الدول الاربعة المعنية مما يحصل؟

-الولايات المتحدة الاميركية: تبدو الدوافع الاقتصادية والسياسية الداخلية أكثر تأثيراً من أي اعتبارات اخرى. فواشنطن لا تريد انفجاراً إقليمياً يزيد من تحليق أسعار النفط ويعيد التضخم إلى الواجهة، خصوصاً في ظل الضغوط الاقتصادية الداخليّة وحساسية الأسواق الأميركية تجاه الاضطراب الحاصل في الخليج، وعلى ابواب الانتخابات النصفيّة. لذلك يمكن فهم المرونة الأميركية الحالية تجاه اتفاق مرحلي مع ​إيران​ على أنها محاولة لضبط المنطقة لا لإعادة تشكيلها. الإدارة الأميركية تبدو أقرب إلى استراتيجيّة "الاحتواء البارد" لجهة منع إيران من الوصول إلى السلاح النووي، وضمان أمن الملاحة والطاقة، مع تجنب حرب مفتوحة تستنزف الولايات المتحدة والخليج سياسياً واقتصادياً وعسكرياً.

-إيران: ترى في الامر فرصة لالتقاط الأنفاس بعد سنوات طويلة من العقوبات والضغط. ولا شك ان تخفيف العقوبات النفطيّة والإفراج الجزئي عن الأموال المجمّدة، يضعان النظام الايراني الحالي في وضع افضل بكثير مما كان عليه، من دون أن تقدم تنازلاً رئيسياً بالنسبة الى مشروعها الإقليمي، لكنها قد تكون مستعدة لضبط إيقاعه موقتاً مقابل الاستقرار الداخلي والارتياح الاقتصادي، وهي في سبيل ذلك، مستعدة للدخول في تفاهمات تهدئة تشمل الخليج و​لبنان​ وربما بعض الساحات الأخرى.

-​إسرائيل​: يمكن اعتبارها الطرف الأقل ارتياحاً للمسار الحالي. فالتسوية المطروحة لا تحقق الأهداف القصوى التي كان نتنياهو وصقوره يسعون إليها، أيّ تقويض المشروع الإيراني وانهاء تهديدات ​حزب الله​ بصورة حاسمة. كما أن الأزمة الداخلية الإسرائيلية، سواء على مستوى الانقسام السياسي أو تهديد حل الكنيست أو مشاكل رئيس الوزراء القضائية والسياسية، تجعل هامش المناورة أكثر تعقيداً. إسرائيل تدرك أن الحرب الشاملة قد تكون مكلفة للغاية في ظل الإرهاق الاقتصادي والعسكري، لكنها في الوقت نفسه تخشى أن يؤدّي أي اتفاق موقت إلى تثبيت النفوذ الإيراني إقليمياً. لذلك قد تتّجه المرحلة المقبلة إلى مزيد من التهدئة الرسمية والضغط الأمني والاستخباراتي المحدود، مع محاولة تحسين شروط أي تفاهم طويل الأمد، من دون الذهاب إلى مواجهة كبرى حالياً.

-لبنان: يدخل مرحلة مختلفة عنوانها الانتقال من إدارة الحرب إلى إدارة التوازنات الأمنية والسياسية الجديدة. اللقاءات والمفاوضات الأمنية المباشرة وغير المباشرة مع إسرائيل، سواء في واشنطن أو عبر القنوات العسكرية، تشير إلى وجود محاولة لرسم قواعد اشتباك أكثر ثباتاً على الحدود الجنوبيّة. لكن هذه الترتيبات لا تعني بالضرورة إبعاد لبنان عن إيران أو القضاء على حزب الله، بل ربما تعني تثبيت واقع أن الأخير لا يمكن تجاوزه في أي معادلة أمنية مقبلة. فانتهاء الحرب من دون نزع سلاحه أو كسره عسكرياً، سيترجم عملياً باعتراف غير مباشر ببقائه لاعباً أساسياً في المعادلة اللبنانية والإقليمية.

بناء على كل ذلك، القراءة الأكثر واقعيّة للأشهر المقبلة هي أننا أمام "هدنة استراتيجيّة باردة" قائمة على خفض التصعيد، وضبط الحدود، وتنظيم التوازنات، مع بقاء جذور الصراع قائمة. كل الأطراف تبدو وكأنها تحتاج الى الوقت. ولكن ايّ حادث أمني كبير، أو تغير سياسي داخلي في إسرائيل أو أميركا، أو تعثر في الملف النووي، قد يغيّر شكل السيناريو الحالي.