شدّد النّائب العام في الرّهبانيّة اللّبنانيّة المارونيّة الأب ​جورج حبيقة​، خلال ترؤّسه قدّاسًا إلهيًّا بمناسبة احتفال جامعة الروح القدس- الكسليك بعيد شفيعها، في كنيسة دير وجامعة الرّوح القدس- الكسليك، عشيّة ​عيد العنصرة​، على أنّ "هذا العيد يحتلّ مكانةً خاصةً في قلب الأسرة الجامعيّة، لما يحمله من معانٍ روحيّة وإنسانيّة عميقة"، موضحًا أنّ "كلمة "العنصرة" في أصلها العبري تتجاوز في معناها كلمة "Pentecost" اليونانيّة الّتي تعني "اليوم الخمسين"، إذ أنّ مدلولها الحقيقي هو "عيد التلاقي والاجتماع". وأكّد أنّ "هذا البُعد اللّاهوتي يكشف جوهر العيد القائم على جمع البشر وتوحيدهم".

وأشار حبيقة، الّذي مثّل الرّئيس العام للرّهبانية اللّبنانيّة المارونيّة والرّئيس الأعلى للجامعة الأب العام ​هادي محفوظ​، إلى أنّ "الإنسان رغم هشاشته، ينسى أنّ وجوده وحياته هما عطيّةً مجّانيّةً، ويحاول أن يبني "برجه" بجهده الذّاتي، متناسيًا مصدر الحياة الحقيقي"، مبيّنًا أنّ "الله تدخّل حين رأى الإنسان غارقًا في هذا الضلال، فهدَم برج بابل، وهو رمز العظمة، وبلبل لغتهم وأصبحوا شعوبًا متناثرةً على وجه الأرض، لا يجمعهم سوى الخلاف والتناقض. لم يعد أحد يفهم الآخر".

وركّز على "أنّنا إذا نظرنا إلى البشريّة اليوم، نرى الكراهيّة الثّقافيّة، والتنافس بين الأمم، والسّعي إلى العظمة على حساب تحطيم الآخر… كلّها ويلات أتقن الإنسان صناعتها بنفسه"، لافتًا إلى أنّ "البشريّة ظلّت غارقةً في هذا الصراع إلى أن وصلنا إلى حدث العنصرة في علّية صهيون، الحدث الّذي شكّل الصورة النّقيضة لبرج بابل، وللتبعثر اللّغوي والكراهيّة الثّقافيّة".

وذكر أنّ "في العنصرة، عيد التلاقي والاجتماع، حلّ الرّوح القدس. بينما هناك، اعتمد الإنسان على قواه الذّاتيّة وأتقن فنّ الشّرذمة، ولم ينجح البشر عبر الكلمة والحوار (Dialogos)، في بناء حضارة المحبّة والتلاقي. أمّا الرّوح القدس، روح الله، فهو الّذي يجمع جسد البشريّة كما تجمع الرّوح الجسد الواحد".

وأضاف حبيقة: "الرّسل، رغم تحدّثهم باللّغة الآراميّة، استطاع جميع الحاضرين من مختلف شعوب ​البحر الأبيض المتوسط​ أن يفهموهم كلّ بلغته، في علامة واضحة إلى أنّ الله يوحّد البشر من دون أن يمحو تنوّعهم". وشدّد على أنّ "المسيحيّة قدّمت نموذجًا فريدًا في حوار الحضارات والثّقافات واحترام الآخر المختلف"، معتبرًا أنّ "​لبنان​ يشكّل في هذا الشّرق "عنصرةً حيّةً" ومساحة تلاقٍ بين المكوّنات الدّينيّة والثّقافيّة المتعدّدة".

كما أكّد أنّ "مأساة لبنان الحقيقيّة تكمن في محيط لم يدخل بعد في "منطق العنصرة"، أي منطق اللّقاء والشّراكة. لكن رغم ذلك، لبنان "عصيّ على الموت" وسيبقى مساحة حرّيّة وتلاقٍ في الشّرق"، جازمًا "أنّنا لن نيأس أبدًا، وسنكمل المسيرة في هذا الشّرق حتى يعي هذا الشّرق ذاته، ونصبح جميعًا في عنصرة التلاقي، ونسقط الحروب؛ لأنّ الحرب واللّجوء إلى العنف هما هزيمة للإنسان وهزيمة للكلمة".

ورأى أنّ "الله أعطاناه أثمن ما نملك: الكلمة. ولكن للأسف، نسقط الكلمة ونعود إلى العنف"، مستشهدًا بما قاله البابا الرّاحل فرنسيس في أربيل عن أنّ "عظمة الله تجلّت على الصليب بالمحبّة والغفران، لا بالقوّة والتكبّر".

وبعد القدّاس، اجتمعت الأسرة الجامعيّة في لقاء عائلي تخلّله عشاء، احتفاءً بالنّجاحات الّتي تحقّقها الجامعة. وفي لفتة تقديريّة، كرّمت الجامعة الأساتذة والموظّفين الّذين تجاوزوا سنّ التقاعد وما زالوا يواصلون رسالتهم فيها، عربون وفاء وشكر لما قدّموه وما يزالون يبذلونه في خدمة الجامعة ومسيرتها.

واستُهلّ اللّقاء بصلاة تلاها الأب العام محفوظ، طلب فيها من الرّبّ أن "يمنح بركته للأسرة الجامعيّة بشفاعة العذراء مريم والقدّيسين"، داعيًا إيّاه أن "يلبّي احتياجات كلّ محتاج، وأن يفيض على الجميع بالرّاحة والأمان"، ومشيرًا إلى أنّ "من الجميل أن نستحضر الرّبّ في كلّ عمل نقوم به".

وأثنى على "القيادة الرّشيدة لرئيس الجامعة الأب ​جوزف مكرزل​"، مهنّئًا إيّاه بـ"حصول الجامعة على الاعتماد المؤسّسي من "NECHE"، وهو إنجاز سعت إليه الجامعة وعملت لأجله على مدى سنوات، ليشكّل محطّةً مضيئةً في تاريخها". وأكّد أنّ "الجامعة تستحقّ كلّ تعب وتضحية"، معربًا عن تأثّره في كلّ زيارة يقوم بها إلى الجامعة.

كما توقّف عند المعاني الّتي يحملها هذا العيد، والّتي أشار إليها الأب حبيقة في كلمته، مركّزًا على أنّ "لغة الجامعة هي لغة النّبل والقيم الرّفيعة، وهي تعبّر أيضًا عن روح الرّهبانيّة الّتي تتجلّى بصورة خاصة في هذه الجامعة".

من جهته، أوضح الأب مكرزل أنّ "إدارة الجامعة أرادت لهذا العيد أن يكون "عيد العائلة"، انطلاقًا من الرّوح العائليّة الّتي تميّز الجامعة، والّتي أسهم الجميع في ترسيخها وتعزيزها"، مبيّنًا أنّ "الجامعة تشهد على مدى السّنة حركةً دائمةً من النّشاطات واللّقاءات والزّوار، إلّا أنّ هذه الأمسية تبقى "ليلة العائلة"، الّتي يجتمع فيها الجميع للاحتفال معًا بروح المحبّة والانتماء".

وتوجّه بتحيّة خاصّة إلى "الّذين تعبوا وخدموا الجامعة على مدى سنوات طويلة"، مؤكّدًا أنّ "تكريمهم في هذه المناسبة هو واجب وفاء قبل أن يكون مجرّد تقدير لسنوات الخدمة، لأنّ لكلّ واحد منهم بصمة خاصة في مسيرة الجامعة".

​​​​​​​

​​​​​​​