أشار متروبوليت بيروت وتوابعها للرّوم الأرثوذكس المطران ​الياس عودة​، خلال ترؤّسه خدمة قدّاس ​عيد العنصرة​ في كاتدرائية القديس جاورجيوس في وسط بيروت، إلى "أنّنا نعيد اليوم لعيد العنصرة المقدّس، لحلول الرّوح القدس على الكنيسة، لميلاد الجماعة الجديدة الّتي افتداها ​المسيح​ بدمه، وملأها من حياته الإلهيّة. في هذا اليوم الخمسيني العظيم، تمّ ما وعد به الرب يسوع حين وقف في الهيكل قائلًا: "إنّ عطش أحد فليُقبِل إليّ ويشرب. من آمن بي، فكما قال الكتاب، ستجري من بطنه أنهار ماء حي" (يو 7: 37-38)".

ولفت إلى "أنّنا نقرأ في سفر أعمال الرّسل أنّ ​الروح القدس​ حلّ كريح عاصفة، وظهرت ألسنة من نار استقرّت على كل واحد من التلاميذ (أع2: 1-11). لم يكن هذا مجرّد حدث خارجي، بل كان إعلانًا أنّ الله نفسه قد سكن في الإنسان"، موضحًا أنّ "النّار ترمز إلى التنقيّة والاستنارة، والرّيح ترمز إلى قوّة الله الّتي تحيي الخليقة. وكما أنّ الله نفخ في آدم نسمة حياة فصار نفسًا حيّة، هكذا نفخ الرّوح القدس في الكنيسة حياةً جديدة، فجعل المؤمنين خليقةً جديدةً بالمسيح، مهمّتهم أن يشهدوا له".

وشدّد المطران عودة على أنّ "العنصرة ليست تذكارًا تاريخيًّا، بل سرّ حياتنا اليوميّة، لأنّ كلّ معمَّد قد نال ختم موهبة الرّوح القدس وصار هيكلًا لله. لذا، يهتف الرّسول بولس: "أما تعلمون أنّكم هيكل الله وروح الله يسكن فيكم؟" (١كو 3: 16). من هنا، نفهم خطورة خطيئة التجديف على الرّوح القدس".

وذكر أنّ "القدّيس يوحنا الذّهبي الفم يقول إنّ التجديف على الرّوح القدس هو "العناد الكامل ضدّ الحق بعدما يعلنه الله للإنسان". لذا، ينبغي أن نخاف لا خوف العبيد بل خوف الأبناء، فنحفظ قلوبنا من القساوة والدّينونة والكبرياء الرّوحيّة، وألسنتنا من كلام التجريح والإدانة، وحياتنا من السّقوط في حبائل الشّرير"، مركّزًا على أنّ "الإنسان قد يظنّ نفسه غيورًا على الإيمان، لكنّه في الحقيقة يحارب الرّوح القدس عندما يحتقر أخاه أو يدين خدّام الكنيسة أو يزرع الانقسامات والشّكوك والتهم، ويروّج لأفكار مضللة".

كما اعتبر أنّ "أخطر ما يهدّد الحياة الكنسيّة أن يتحوّل بعض المؤمنين إلى قضاة على الآخرين، فيتكلّمون بسهولة على إخوتهم المعمَّدين والمختومين بختم الرّوح القدس، متناسين أنّ الرّوح القدس يعمل في الكنيسة وفي البشر"، مبيّنًا أنّ "كلّ إنسان معرَّض للخطيئة، لكن باب التوبة مفتوح للجميع. ربّنا الّذي مات من أجل خلاص الإنسان لا يفرح بموت الخاطئ، بل "يريد أن يخلص جميع النّاس ويبلغوا إلى معرفة الحق" كما يقول بولس الرّسول (1 تيمو 2: 4)".

وأضاف عودة: "كلّ كلمة إدانة، وكلّ تحريض، وكلّ احتقار لإنسان معمَّد هو إطفاء لعمل الروح القدس. لقد علّمنا الآباء أن نميّز بين رفض الخطيئة واحترام الشّخص"، موضحًا أنّ "الكنيسة لا تبرّر الشّرّ والخطيئة، لكنّها أيضًا لا تسمح بالكراهيّة والتشهير والإدانة الهدّامة. نحن ندين الخطيئة لكنّنا ندعو الخاطئ إلى التوبة ونرشده إلى الحق".

وأشار إلى أنّ "في العنصرة، الرّسل "امتلأوا من الرّوح القدس وطفقوا يتكلّمون بلغات أخرى، كما أعطاهم الرّوح أن ينطقوا"، فسمعت كلّ أمّة "عظائم الله" بلغتها الخاصة"، مؤكّدًا أنّ "الرّوح القدس لا يولّد التفرقة بل الشّركة، ولا يزرع الانقسام بل المحبّة. لذلك، حيث يوجد الحقد والافتراء والكبرياء والتشويه، هناك مقاومة لعمل الرّوح، وحيث توجد التوبة والوداعة والمحبّة والغفران والصلاة، فهناك حضور الله".

إلى ذلك، شدّد على أنّ "الرّوح القدس لا يُقتنى بالضجيج والصراعات، بل بالنّقاوة والتواضع والمحبّة. لذا، تدعونا الكنيسة اليوم لأن نفتّش داخل قلوبنا: هل أفسحنا فيها مجالًا لسكنى المسيح؟ هل صرنا هياكل حيّة لله؟ هل تجري من داخلنا أنهار ماء حي، أي كلمات نعمة ورحمة وسلام؟ أم أنّنا ينابيع دينونة ومرارة؟".

ولفت عودة إلى أنّ "الرّوح القدس هو مصدر المواهب المعطاة للمؤمنين، وهي تتكامل من أجل البنيان، كما تتكامل أعضاء الجسد، وتظهر ثمارها في سلوكنا وحياتنا"، خاتمًا: "فلنطلب إلى الرّبّ أن يجدّد فينا موهبة الرّوح القدس، وأن يطهّر ألسنتنا من الكلام الباطل، وقلوبنا من الكبرياء، وأعيننا من الإدانة. لنصلّ من أجل كهنة الكنيسة وخدّامها، لكي يثبّتهم الله في القداسة، ويحفظهم من تجارب هذا العالم، ويمنح شعبه قلبًا طاهرًا يعرف كيف يثمر مواهبه بالصلاة والمحبّة والطّاعة".