بعد أشهر من الهدوء النسبي، عاد الصراع الأميركي-الإيراني إلى واجهة الأحداث مع تبادل الضربات العسكرية الأسبوع الماضي، في تصعيد أعاد إلى الأذهان مشاهد المواجهات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية. ورغم أن الطرفين يحرصان على تجنب الانزلاق إلى حرب شاملة، فإن التطورات الأخيرة تؤكد أن الأزمة لم تُحل، بل دخلت مرحلة جديدة تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع التفاهمات السياسية، وسط إعادة رسم للتحالفات الإقليمية والدولية.
ويأتي هذا التصعيد في سياق تاريخ طويل من التوتر بين واشنطن وطهران، بدأ منذ الثورة الإسلامية عام 1979 وما تبعها من قطيعة سياسية وعقوبات اقتصادية متتالية. وعلى الرغم من توقيع الاتفاق النووي عام 2015، فإن انسحاب الولايات المتحدة منه عام 2018 أعاد العلاقات إلى نقطة الصفر، لتتحول المنطقة مجدداً إلى ساحة مواجهة غير مباشرة، تتوزع بين العقوبات الاقتصادية والعمليات العسكرية والرسائل الأمنية عبر الحلفاء.
وفي قراءة لهذه التطورات، يرى الباحث في العلاقات الدولية الدكتور جمال واكيم أن الولايات المتحدة "ليست راضية عن الوضع القائم"، معتبراً أنها وجدت نفسها أمام حرب استنزاف مفتوحة لا تستطيع حسمها عسكرياً، ما يدفعها إلى البحث عن مخرج سياسي يخفف من كلفة المواجهة. ويشير إلى أن واشنطن أدركت، بعد اتساع دائرة الاشتباك، أن الحسم العسكري ليس خياراً واقعياً، الأمر الذي أعاد فتح الباب أمام البحث عن تفاهمات، ولو بشروط مختلفة عما كان مطروحاً في السابق.
ويربط واكيم التصعيد الأخير بالتحولات التي شهدتها قمة حلف شمال الأطلسي، معتبراً أن ما جرى يعكس إعادة توزيع للأدوار بين الولايات المتحدة وحلفائها. فبحسب قراءته، حصل تفاهم يقضي بدعم أوروبي للموقف الأميركي في مواجهة إيران، ولا سيما في ملف أمن الملاحة في مضيق هرمز، مقابل استمرار الدعم الأميركي لأوروبا في الحرب الأوكرانية في مواجهة روسيا.
كما يلفت إلى أن خريطة التحالفات الإقليمية تشهد بدورها تحولات متسارعة. فبعدما حافظت تركيا والسعودية على هامش من الحياد، برزت خلال الأسابيع الأخيرة مؤشرات إلى تحركات سياسية جديدة؛ منها إعادة فتح ملف مقاتلات F-35 مع أنقرة، وزيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى بيروت، إضافة إلى الحديث عن دور سعودي متجدد وعودة الملف اليمني إلى الواجهة. ويرى أن هذه التطورات توحي بأن واشنطن تسعى إلى إدارة المواجهة عبر حلفائها الإقليميين بهدف تعديل موازين التفاوض والضغط على طهران.
وفي المقابل، يشير واكيم إلى وجود تحركات دبلوماسية موازية، من بينها مباحثات إيرانية-إماراتية هدفت إلى تحييد أبوظبي عن مسار التصعيد، معتبراً أن الولايات المتحدة تحاول هذه المرة الحد من انخراط إسرائيل المباشر في بعض جوانب المواجهة، في محاولة لمنع توسع الحرب إلى مستويات يصعب احتواؤها.
وفي هذا السياق، ترى مصادر مطلعة أن استمرار المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران يفرض ضغوطاً إضافية على الاقتصاد العالمي، ولا سيما في أسواق الطاقة. فكل تصعيد في منطقة الخليج ينعكس سريعاً على أسعار النفط وكلفة النقل البحري والتأمين، لا سيما أن مضيق هرمز يُعدّ أحد أهم الممرات الاستراتيجية لتجارة النفط العالمية. كما تحذر المصادر من أن استمرار حالة عدم اليقين قد يؤدي إلى تصاعد تقلبات الأسواق المالية، وارتفاع معدلات التضخم، وتباطؤ وتيرة النمو في عدد من الاقتصادات المستوردة للطاقة.
وفي ظل هذه المعطيات، يبقى المشهد مفتوحاً على أكثر من احتمال. فبينما تتواصل الرسائل العسكرية والتحركات الدبلوماسية في آن واحد، يبدو أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة عنوانها إدارة الصراع أكثر من حسمه. وبين التصعيد والتهدئة، تبقى فرص التوصل إلى اتفاق شامل محدودة في المدى القريب، في انتظار نضوج ظروف سياسية وإقليمية قد تفرض مساراً تفاوضياً جديداً، أو تدفع نحو جولة أخرى من المواجهة.























































