أثار رئيس الحُكومة ​نواف سلام​، السبت، من السرايا الحُكومية، قضية التهجير الجماعي الحاصل اليوم في لُبنان على يد "​إسرائيل​". واتهم سلام الدولة العبرية بأنها "تُنفذ سياسة تدمير شامل للمُدن والبلدات، ولكُل مُقوّمات الحياة فيها، وتمارس التهجير الجماعي الذي يرقى إلى العقاب الجماعي". فماذا قصد سلام في كلامه؟ وما أبعاد هذا الكلام، على صعيد حُقوق الإنسان، وإصرار "إسرائيل" على انتهاكها؟

بداية، لا بُد من الإشارة إلى أن التهجير الجماعي (أو النُزوح القسري)، هو حركة غير طوعية أو قسرية لشخص أو أشخاص، بعيدا عن موطنهم أو منطقتهم الأصلية، ناتجة عن مجموعة مُتنوعة من الأسباب الخارجية، بما في ذلك الكوارث الطبيعية، والعنف، والتطهير العرقي، وغيرها من عمليات الاضطهاد... وتشمل في ما تشمل الإبعاد، ونزوح السكان، ما يُضطر السكان إلى الانتقال إلى بلد آخر أو الفرار إليه.

ويمكن الإشارة إلى الأشخاص الذين يتعرضون للتشريد القسري، من بين أُمور أُخرى، على النحو الآتي: "المُهاجرون القسريون"، أو "النازحون".

كما تنسحب التسمية أيضاً على "النازحين داخليًا"، كما هي الحال في لُبنان اليوم، نتيجة الانتهاكات الإسرائيلية لحُقوق الإنسان.

ووفقا للـ"​يونسكو​"، يُعتبر النزاع المُسلح السبب الأكثر شُيوعا وراء النُزوح القسري. وتُعزز هذا الاستنتاج، الدراسات الإقليمية التي تُشير إلى الصراع السياسي والمُسلح، باعتباره أكبر العوامل التي تسببت في تدفُقات المُهاجرين من أميركا اللاتينية وأفريقيا وآسيا، على سبيل المثال.

وخير مثال على "التهجير الجماعي" في العصر الحديث، "مأساة" ​الفلسطينيين​ التي تُعتبَر "امتدادا مُؤلما في ذاكرة عربية مُنهكة من الحُروب الدموية مع إسرائيل".

لقد بدأت الأزمة الفلسطينية بـ"مُحاباة" حُكومة الانتداب البريطاني لفلسطين، "أحقية اليهود في إقامة دولة على أرض فلسطين"، فاتخذوا قرارات تضييق على الفلسطينيين، كتحديد الانتقال بين القُرى والمُدن، وإخلاء الأراضي المملوكة لهم، بدعوى تنفيذ مشروعات عامة أو من دون إيضاح أسباب، ما ساعد في توفير مُناخ مُناسب جدا لـ"​حركة هجرة قومية يهودية​" على أرض فلسطين، مُكونة في ما بعد، عصابات صهيونية أخذت الضوء الأخضر في العام 1948 من تلك الحُكومة والحُكومات الغربية الأُخرى، بالانطلاق في تشييد الدولة اليهودية وتأسيسها بالقُوة.

ونتيجة مُمارسات صُهيونية بشعة، من إحراق قرى فلسطينية بأكملها وإبادتها، اضطُرت نسبة كبيرة من الفلسطينيين إلى إخلاء الأرض والهجرة منها، بعد سلسلة مجازر وعمليات قتل، فعبروا الحُدود إلى ​مصر​ و​الأردن​ ولُبنان و​سوريا​.

كما وكانت نتيجة تلك الهجرة، أن أخذت "إسرائيل" مساحات أوسع من الأرض، وفرضت واقعا مُغايرا في أي تفاوض حدث لاحقا، إذ أخذت تتمسك بحدود 1948، القائمة على تطهير الأرض من أصحابها وسكانها الأصليين...

وبعد المُقارنة بين "الممارسات الصهيونية" في فلسطين ما قبل العام 1948، وممارسات "إسرائيل" اليوم، في لُبنان، يُطرح السُؤال الكبير: ما الهدف مِن تنفيذ "إسرائيل" سياسة التدمير الشامل للمُدن والبلدات، ولكُل مُقوّمات الحياة في لُبنان؟...

هذا ما طرحه الرئيس سلام في كلمته من السرايا الحُكومية السبت، وقد أكّد في الوقت نفسه أن "على إسرائيل أن تعلم أنها بسياسة الأرض المحروقة والعقاب الجماعي وتجريف القرى والبلدات لن تكسب لا أمنا ولا استقرارا".

مسؤولية دولية؟

في انتظار انجلاء المشهد السياسي، ينبغي أن يتلقى النازحون ال​لبنان​يون حماية مُحددة في مجال القانون الدولي، مُعترف بها من الدول أو المُنظمات الدولية... غير أن هؤلاء في مهب الريح، ولا يرف جفن للـ"ضمير العالمي" حيالهم!

ويحظى النُزوح القسري في راهنا، بالاهتمام في المُناقشات الدولية وصنع السياسات، وهو ما يرجع جزئياً إلى تيسّر سُهولة السفر، وزيادة النقاش في شأن الحماية الدولية لحُقوق الإنسان، وتزايد الاهتمام بآثار الهجرة القسرية على المناطق الأُخرى.

كما وتُواصل مختلف المُنظمات الدولية والإقليمية والمحلية، العمل على تطوير مناهج للتخفيف مِن تأثير الهجرة القسرية على "مناطق المنشإ والمقصد" على حد سواء. وكذلك وتتضافر الجهود لتحديد المُلاحقة القضائية لأولئك الذين يتسببون في الهجرة القسرية.

إن الشعور بـ"غض الطرف" عن انتهاكات حُقوق الإنسان، يتجاوز القضية اللبنانية إلى المستوى العالمي، إذ يُمكن اعتبار نحو 60 مليون شخص مُشردين قسريا، مُنذ بداية القرن 21، وتأتي غالبية هؤلاء من الجنوب العالمي.