مع تصاعد التوترات في الخليج والحديث المتزايد عن احتمال تعطل الملاحة في مضيق هرمز، لا تقتصر المخاوف على ارتفاع أسعار النفط فقط، بل تمتد إلى ملف أكثر خطورة يتعلق بالأمن الغذائي العالمي. فالمضيق الذي يشكل أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، يرتبط مباشرة أيضًا بصناعة الأسمدة والإنتاج الزراعي العالمي، ما يفتح الباب أمام أزمة غذائية قد تضرب عشرات الدول إذا استمرت أي اضطرابات لفترة طويلة.
ويُعتبر مضيق هرمز أحد أهم الممرات البحرية في العالم، إذ يمر عبره جزء ضخم من صادرات النفط والغاز العالمية يوميًا، ويشكّل المنفذ البحري الأساسي لدول الخليج المنتجة للطاقة مثل السعودية وقطر والإمارات والكويت والعراق وإيران. وتشير مصادر اقتصادية إلى أن أي اضطراب أو إقفال للمضيق يعني تعطّل حركة ناقلات النفط والغاز، وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين البحري، وقفزة سريعة في أسعار النفط والغاز عالميًا، إضافة إلى توتر الأسواق المالية وسلاسل الإمداد.
ويُضاف إلى ذلك أن قطر، إحدى أكبر الدول المصدّرة للغاز الطبيعي المسال في العالم، تعتمد كلياً على هذا المضيق لتصدير إنتاجها إلى أوروبا وآسيا.
وتكمن الخطورة في أن أهمية الغاز لا ترتبط فقط بالكهرباء والتدفئة، بل أيضًا بصناعة الأسمدة الكيميائية، وخصوصًا الأمونيا واليوريا والأسمدة النيتروجينية. إذ يدخل الغاز مباشرةً كمادة أولية في تصنيع الأمونيا، التي تُعتبر أساس إنتاج الأسمدة الحديثة، لذلك فإن ارتفاع أسعار الغاز يؤدي فورًا إلى ارتفاع كلفة إنتاج الأسمدة، فيما يؤدي تعطل الإمدادات إلى تراجع القدرة الإنتاجية للمصانع العالمية.
وقد شهد العالم هذا السيناريو خلال الحرب الروسية الأوكرانية، حين اضطرت مصانع أوروبية عديدة إلى الإغلاق جراء ارتفاع الكبير في أسعار الغاز.
ولا تقتصر أهمية الخليج على النفط فقط، بل أصبح أيضًا مركزًا عالميًا لصناعة البتروكيماويات والأسمدة، لا سيما في قطر والسعودية والإمارات، التي تُعد من كبار مصدّري الأمونيا واليوريا والمواد الكيميائية الزراعية. وتحذر المصادر من أن أي تعطّل لصادرات الخليج بسبب التوترات أو إقفال المضيق قد يؤدي إلى نقص عالمي سريع في الإمدادات، خصوصًا أن الأسواق الزراعية تعتمد على تدفق مستمر للأسمدة قبل مواسم الزراعة.
وإذ تُعدّ الأسمدة عنصراً لا غنى عنه في الزراعة الحديثة، فإن ارتفاع أسعارها يرفع كلفة الإنتاج الزراعي ويدفع المزارعين إلى تقليص استخدامها، مما يُفضي تدريجيًا إلى انخفاض الإنتاج الزراعي وارتفاع أسعار الحبوب والخضار والفواكه، وبالتالي تحوّل أزمة الطاقة إلى أزمة غذائية.
وفي هذا السياق، تؤكد المصادر أن الحرب الروسية-الأوكرانية كشفّلت نموذجًا واضحًا لما يمكن أن يحدث عندما تتعطل سلاسل الطاقة والغذاء معًا، إذ ارتفعت أسعار القمح والذرة والأسمدة عالميًا، وظهرت مخاوف من المجاعة في بعض الدول، إضافة إلى ارتفاع معدلات التضخم الغذائي.
ومما يُعمّق الخطورة أن الخليج يمثل قلب أسواق الطاقة العالمية، وأي اضطراب فيه قد يضرب النفط والغاز والأسمدة في وقت واحد.
وبحسب المصادر، فإن الدول الأكثر عرضة للصدمة ستكون تلك التي تعتمد بشكل كبير على استيراد الأسمدة والمواد الغذائية، وخصوصًا الهند ودول أفريقية مثل السودان والصومال وإثيوبيا، إضافة إلى دول جنوب آسيا مثل باكستان وبنغلادش وسريلانكا. كما قد تتأثر دول زراعية كبرى مثل البرازيل وأستراليا بسبب اعتمادها الكبير على استيراد الأسمدة.
أما في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فتشير المصادر إلى أن دولًا مثل لبنان ومصر والأردن وتونس والمغرب قد تواجه ضغوطًا إضافية نتيجة ارتفاع أسعار الغذاء عالميًا وكلفة الاستيراد والشحن.
وتوضح المصادر أن المنتجات الأكثر عرضة لارتفاع الأسعار تشمل القمح والأرز والذرة والشعير وفول الصويا، ما سينعكس تدريجيًا على أسعار الخبز والمعكرونة واللحوم والدواجن والحليب والبيض والزيوت النباتية.
وفي الخلاصة، ترى المصادر أن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في الارتفاع الفوري للأسعار، بل في احتمال تراجع الإنتاج الزراعي العالمي خلال المواسم المقبلة إذا اضطر المزارعون إلى خفض استخدام الأسمدة بسبب ارتفاع أسعارها أو نقص الإمدادات، الأمر الذي قد يحوّل أي تصعيد طويل في مضيق هرمز من أزمة جيوسياسية إلى أزمة غذاء عالمية تمس حياة ملايين البشر.



















































