لم يكن وقع الكلام ال​ايران​ي الذي تلا التهديد الاسرائيلي منذ يومين بضرب بيروت، سمناً وعسلاً على عدد كبير من ال​لبنان​يين، لانه اخذ الامور الى منحى آخر لم يكن يرغبون فيه. الاسوأ من ذلك بالنسبة الى هؤلاء، هو ما حصل بعدها لجهة اعلان الرئيس الاميركي ​دونالد ترامب​ انه اجرى اتصالات مع ​حزب الله​ (عبر ممثلين او وسطاء رفيعي المستوى)، وان رئيس الوزراء الاسرائيلي ​بنيامين نتنياهو​ تراجع تحت الضغط الاميركي عن ضرب بيروت، كل ذلك بعد ان اعلنت ايران انها ستعلّق نقل الرسائل مع الاميركيين وانها ستضرب المستوطنات الشمالية اذا تم ضرب بيروت.

هذا الامر كان الدليل الامثل على ان المفاوضات اللبنانية-الاسرائيلية في واشنطن باتت فعلياً من حيث المضمون، في يد ايران على الرغم من اصرار لبنان الرسمي على ان يفاوض بنفسه، ولم تقنع محاولات المسؤولين قطف ثمار ما اعلنه الرئيس الاميركي بالنسبة الى وقف اطلاق النار وغيره، لأنها لم تجد اساساً متيناً لها. صحيح ان اصحاب المنطق الواقعي كانوا، ولا يزالون، مصرّين على ان مفتاح حزب الله والتزامه بأي قرار يتم اتخاذه، هو بيد السلطة الايرانية، غير ان ما حصل ذهب بعيداً في تحديد الجهة المعنية فعلياً في المفاوضات اللبنانية-الاسرائيلية، وبدا الامر وكأن هذه المفاوضات هي صورية فيما الواقع الحقيقي يشير الى انّها بين ​الولايات المتحدة​ (بالنيابة عن اسرائيل) وايران (بالنيابة عن حزب الله).

اللافت ان اعلان ترامب لم يكن بعد اتصال هاتفي اجراه مع رئيس الجمهورية العماد ​جوزاف عون​ او بين مسؤول اميركي رفيع (وزير الخارجية) ورئيس الحكومة ​نواف سلام​ او غيره، انما وفق ما قاله هو شخصياً مع حزب الله (ولو بطريقة غير مباشرة)، واتى بعد كلام لرئيس مجلس النواب ​نبيه بري​، تعهد فيه للسفير الاميركي في لبنان ​ميشال عيسى​ ضمان التزام حزب الله بوقف اطلاق النار اذا ما التزمت به اسرائيل. وبالتالي، لم يتبق امام الوفد اللبناني في واشنطن سوى صلاحية ايجاد التوليفة اللازمة لاي تسوية او اتفاق او تفاهم (لا يهم التعبير الذي سيستعمل)، ووضعها موضع التنفيذ وفق تفاصيل محددة. هذا لا يعني مطلقاً انه لم يعد من دور للكلمة الرسمية اللبنانية، بل الاصح انه تم "تخفيض" دورها الى مرتبة ادنى مما تطمح اليه، اذ تبقى الشكليات مطلوبة بقوة ان من حيث التوقيع او التفاهمات والصور او حتى التنفيذ العملي، من دون اغفال اعادة الاعتبار بشكل اكبر لدور بري.

لا يمكن القول ان ما قامت به ايران هو من اجل مصلحة لبنان واللبنانيين، بل هو في صلب قلقها وخوفها من خسارة ورقة بالغة الاهمية اثبتت انها قادرة على التأثير في المعادلات الاقليمية والدولية، وتساهم بشدة في ابقاء النظام الايراني كقوة مؤثرة في المنطقة لا يمكن تخطيها، ويجب التعامل معها لضمان المصالح والاستقرار.

لذلك، لا يبدو الحزب قلقاً مما يجري في واشنطن، وهو قالها اكثر من مرة، على غرار ما فعل بري نفسه، لجهة تأكيد الحصول على ضمانات وطمأنة من اعلى المرجعيات في طهران بأن لبنان سيكون بنداً رئيسياً في اي اتفاق اميركي- ايراني يتم التوصل اليه، ما يعني عملياً انه لن يتم التخلي عن الحزب ولا عن بري وسيكون دورهما في المستقبل بارزاً في الحياة السياسية اللبنانية، ولو تم الاتفاق على تراجع الدور العسكري للحزب في المرحلة المقبلة. كل ذلك في ظل بركة اميركية وامتعاض اسرائيلي واضح، في انتظار ما ستقدمه الايام المقبلة التي من المتوقع ان تحمل معها الكثير بالنسبة الى المنطقة عموماً ولبنان بشكل خاص.