لم يستطع الحاج أبو علي عز الدين أن يحبس دموعه وهو يخطو للمرة الأولى منذ انتهاء ​الحرب الإسرائيلية على لبنان​ عتبة منزله في بلدة ​زوطر الغربية​ في ​قضاء النبطية​ والتي تعتبر واحدة من ثلاثة مناطق تجريبية للاتفاق بين لبنان وإسرائيل و​الولايات المتحدة الأميركية​.

لم يكن المشهد الذي انتظره طوال فترة نزوحه من البلدة، عودةً إلى بيت يحتضن ذكرياته، بل وقوفًا أمام أنقاض عمرٍ امتد ستة وسبعين عامًا، تحولت جدرانه التي شهدت تفاصيل حياته بحلوها ومرها إلى ركام صامت.

وقف "أبو علي" بين الحجارة المتناثرة، يحدّق في المكان بعينين تبحثان عن بقايا ما صنعته يداه على مدى عقود، لكن ​الدمار الإسرائيلي​ الهمجي كان سيد المشهد. لم تسلم الأشجار التي أحاطت بالمنزل من مصير البيوت؛ فالزيتون والصنوبر والكينا والتين والسنديان التي كانت جزءًا من ذاكرة المكان ومصدر رزق أهله، سقطت تحت وطأة الحرب، ما يؤكد أنها لم تستهدف المنازل وحدها، بل كل ما يحمل رائحة الحياة في هذه الأرض.

يقول عز الدين بحرقة لـ"النشرة" إن سنوات طويلة من العمل، شاركه فيها أبناؤه، تلاشت خلال لحظات، ليجد نفسه وعائلته أمام واقع يشبه البداية من جديد. أربعة منازل دُمّرت بالكامل؛ منزله وثلاثة أُخرى لأبنائه، ولم يبقَ لهم سوى الصبر والإيمان والقدرة على الصمود في مواجهة الخسارة، والبداية من جديد.

ورغم حجم المأساة، يتمسك "أبو علي" بعبارته التي يرددها: "الحمد لله على كل حال". لكنه في الوقت نفسه يرفع الصوت مطالبًا الدولة و​وزارة الشؤون الاجتماعية​ بالإسراع في مساعدة المتضررين، مشيرًا إلى أن عددًا كبيرًا من العائلات لم يعد قادرًا على تحمل أعباء الإيجارات، فيما عاد أصحابها إلى بلداتهم من دون سقف يحميهم، ولا مأوى يقيهم قسوة المرحلة.

ويؤكد أن معركة ما بعد الحرب لا تقتصر على إعادة بناء المنازل، بل تبدأ بتأمين أبسط مقومات الحياة؛ من البنى التحتية والكهرباء والمياه والإنترنت، إلى الثياب والأغطية والاحتياجات اليومية، محذرًا من أن استمرار غياب المساندة سيضاعف معاناة العائلات التي أنهكها النزوح والدمار.

العودة... خيار

قصة "أبو علي" ليست سوى واحدة من عشرات القصص التي تختبئ خلف جدران زوطر الغربية المهدمة. فبين الأزقة التي غابت عنها ملامح الحياة، تتكرر الحكايات نفسها، ويجمع الأهالي على أن العودة، رغم حجم الدمار، لم تكن مجرد خطوة مؤقتة، بل قرارًا مرتبطًا بالانتماء والهوية والتمسك بالأرض والبقاء فيها.

ويروي العائدون أن حجم الأضرار التي لحقت بالبلدة يفوق الوصف، بعدما طال الدمار المنازل والبنى التحتية. وفي موازاة انتشار الجيش، عملت فرق إسعاف الرسالة الإسلامية على انتشال جثامين نحو عشرة شهداء، فيما واكبت فرق الدفاع المدني و​الصليب الأحمر اللبناني​ الأهالي خلال عودتهم لتأمين سلامتهم، وسط تسجيل خروقات إسرائيلية تمثلت بإطلاق نار تحذيري عند أطراف البلدة.

الركام والذاكرة

في الجولة الميدانية لـ"النشرة"، بدا واضحًا أن أكثر من ثلاثين في المئة من أراضي البلدة لا تزال خارج نطاق الحركة، ولا سيما عند المدخل المؤدّي إلى زوطر الشرقية، حيث يبقى الاقتراب من بعض المناطق محفوفًا بالخطر، في ظل إطلاق النار الإسرائيلي المباشر على كل من يحاول الوصول إليها.

وسط أكوام الركام التي غطت ما كان يومًا حيًا سكنيًا نابضًا بالحياة، وقفت نيفين "أم حسين"، أمام منزلها المدمّر، تستعيد تفاصيل سنواتها التي اختبأت بين الجدران التي لم تعد موجودة. لم ترَ في المشهد نهاية الحكاية، بل بداية مختلفة فوق أرضها نفسها.

تقول لـ"النشرة" إن إسرائيل اعتقدت أن تدمير المنازل سيكسر إرادة الناس، إلا أن النتيجة جاءت معاكسة؛ فالدمار، كما ترى، زاد ارتباط الأهالي بأرضهم التي "عُجنت بدماء الشهداء"، ورسّخ قرار العودة والبقاء. فهذه الأرض، بالنسبة إليها، ليست مجرد مكان للسكن، بل مساحة تحمل عنوان الحياة نفسها وتاريخ العائلة وذكريات الأجيال.

وتعترف "أم حسين" بأن لحظة العودة كانت من أكثر اللحظات قسوة، بعدما وجدت تعب العمر وقد تحول إلى حجارة متناثرة، لكنها سرعان ما تستعيد توازنها بقولها: "الحمد لله على كل شيء". فالحزن لا يلغي القدرة على النهوض، ولا يمنع بدء رحلة جديدة مهما كانت الظروف صعبة.

وتصف أشهر النزوح بأنها كانت مرحلة فقدت فيها العائلات إحساسها بالحياة الطبيعية، أما العودة إلى زوطر الغربية، ولو وسط الركام، فأعادت إليها شعور الانتماء الذي لا يمكن لأي مكان آخر أن يمنحه؛ رائحة البلدة، وترابها، وذاكرة الشوارع التي نشأوا فيها.

ولا تختصر "أم حسين" حلمها بإعادة بناء المنزل، بل تتحدث عن إعادة بناء الحياة نفسها. فإذا تعذر تشييد الجدران اليوم، فإن الخيمة فوق أرضها تبقى خيارًا مؤقتًا، لأن مغادرة المكان ليست واردة في حساباتها.

وبين الحجارة المهدمة، لا تبحث فقط عن بقايا منزل، بل عن أجزاء من الذاكرة؛ صور أطفالها القديمة، وأغراض العائلة، وتفاصيل صغيرة تحمل قيمة لا تعوضها أموال العالم. فالبيت يمكن أن يُعاد بناؤه، أما الذكريات التي تضيع فلا تعود.

الاختبار الأول

مع عودة الأهالي إلى زوطر الغربية، تحولت البلدة الجنوبية إلى أول اختبار عملي لتطبيق اتفاق "المناطق التجريبية" المنبثق عن التفاهم اللبناني-الإسرائيلي الذي جرى برعاية أميركية.

ولا تقتصر التجربة على انتشار ​الجيش اللبناني​ وعودة السكان، بل تقوم على آلية متعددة الأطراف تتوزع فيها الأدوار بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة الأميركية، في خطوة تهدف إلى اختبار إمكانية توسيع النموذج ليشمل مناطق أخرى.

وفي اليوم الأول من التجربة، برزت تساؤلات حول تأخر السماح بدخول الأهالي والصحافيين إلى البلدة، قبل أن يتضح أن تنفيذ الاتفاق يعتمد على مراحل متتابعة تبدأ بالمسح الأمني وإزالة المخاطر والمتفجرات، ثم تنظيم عودة السكان تدريجيًا، وصولًا إلى مرحلة إعادة الإعمار.

لكن هذه الخطوات لا تنفصل عن تعقيدات الواقع السياسي، سواء داخل لبنان حيث تستمر النقاشات حول جدوى المسار وإمكان نجاحه، أو على الحدود حيث تتواصل الخروقات الإسرائيلية التي تلقي بظلالها على عملية التنفيذ.

​​​​​​​​​​​​​​