في خضم التصعيد العسكري غير المسبوق الذي يشهده جنوب لبنان منذ نهاية شهر أيار الماضي ومع بدايات الشهر الجاري، تتجه الأنظار نحو تل أبيب لقراءة التداعيات السياسية العميقة لهذه الحرب. لم يعد السؤال مقتصراً على متى ستصمت المدافع، بل يتعداه إلى سؤال وجودي في الداخل الإسرائيلي: هل تكون الجبهة اللبنانية هي "المسمار الأخير" في نعش المستقبل السياسي لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو؟
للوصول إلى استنتاج دقيق وبعيد عن الانفعالات، يجب تفكيك المشهد وتحليله خطوة بخطوة، قبل استعراض مواقف العواصم الفاعلة.
الهروب للأمام
بدأ نتنياهو التصعيد الشامل في لبنان انطلاقاً من حاجة سياسية داخليّة ملحة. فمع تآكل شرعيته بعد أحداث السابع من تشرين الأول، واستمرار محاكماته بقضايا الفساد، وضغط الشارع المستمر، شكلت "حرب الشمال" طوق نجاة موقّت. الهدف السياسي الأولي كان إطالة أمد "حكومة الطوارئ"، إسكات المعارضة تحت شعار "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة"، وإعادة سكان المستوطنات الشمالية لترميم صورته كـ"سيد الأمن".
فخ الاستنزاف
اصطدمت أهدافه السياسية بالواقع الميداني المعقّد في جنوب لبنان. تدمير البنى التحتية والقرى اللبنانية، رغم قسوته وهمجيّته، لم يترجم إلى "نصر حاسم" ينهي التهديد. الانخراط في حرب عصابات جبليّة طويلة الأمد حوّل العملية من "ضربة خاطفة" إلى "حرب استنزاف". تاريخياً، حروب الاستنزاف هي المقبرة الحقيقية للجنرالات والسياسيين في إسرائيل (تجربة مناحيم بيغن عام 1982 حاضرة بقوة عندما اتّخذ القرار السياسي بإطلاق الاجتياح الإسرائيلي للبنان المعروف باسم "عملية سلامة الجليل"، وكان دوره أساسياً في تغطية هذا الغزو سياسياً ودبلوماسياً، بينما تولّى وزير دفاعه أرييل شارون إدارة العمليات العسكرية على الأرض).
تصدع الائتلاف
مع إطالة أمد الحرب دون أفق سياسي واضح، بدأ الائتلاف الحاكم بالتشقّق. اليمين المتطرف يطالب باحتلال دائم ومناطق عازلة، في حين تضغط المؤسسة الأمنية والعسكرية نحو تسوية سياسية تجنب الجيش الإنهاك الشامل. نتنياهو يجد نفسه محاصراً بين مطالب جنرالاته المنهكين، وابتزاز حلفائه المتطرفين الذين يهددون بإسقاط حكومته إذا أوقف الحرب.
الاقتصاد والعزلة
الاستمرار في الحرب يتطلب تعبئة عامة لقوات الاحتياط، مما أدى إلى شلل في قطاعات التكنولوجيا والزراعة، وتراجع حاد في الاستثمارات. يترافق هذا النزيف الاقتصادي مع عزلة دولية متزايدة وقرارات مرتقبة من المحاكم الدولية. الطبقة الوسطى الإسرائيليّة، وهي الكتلة الناخبة الأهم، بدأت تفقد صبرها على سياسات رئيس وزراء يضع بقاءه الشخصي فوق التعافي الاقتصادي للكيان.
الاستنتاج السياسي لمصير نتنياهو
بناءً على هذا التسلسل، يمكن الاستنتاج أنّ حرب لبنان لن تنقذ نتنياهو، بل هي تؤجّل سقوطه فقط لتجعله أكثر دويّاً. إذا أوقف الحرب الآن دون إبعاد حاسم لحزب الله، سيسقط بانقلاب يميني داخلي. وإذا استمر في حرب استنزاف لا نهاية لها، سيسقط تحت وطأة الانهيار الاقتصادي، وتمرّد المؤسسة العسكرية، وضغط الشارع. وهو اليوم لا يدير حرباً للانتصار، بل يلعب "الروليت الروسيّة" لكسب الوقت، والنهاية السياسية باتت مسألة وقت محكومة بنتائج الميدان اللبناني.
ولتقييم المشهد بشكل متكامل، يجب استعراض كيف تنظر العواصم المؤثّرة إلى هذه مغامرة رئيس الوزراء الاسرائيلي العسكرية:
1-رؤية واشنطن المزدوجة
تنظر إدارة الرئيس الاميركي دونالد ترامب إلى ما يجري في لبنان بانزعاج براغماتي. من جهة، تدعم واشنطن إسرائيل في تقليم أظافر حلفاء إيران في المنطقة، لكن من جهة أخرى، ترى أن تورط نتنياهو في حرب طويلة الأمد يعرقل استراتيجية ترامب الأوسع الّذي يريد التفرغ لمواجهة الصين وإدارة حصار مضيق هرمز، ويحتاج إلى شرق أوسط هادئ لعقد "صفقات كبرى". الإدارة الأميركية تنظر حالياً إلى رئيس الوزراء الاسرائيلي كحليف "متمرد ومكلف"، وتخشى أن تؤدي سياساته إلى إشعال حرب إقليميّة واسعة تجبر أميركا على التدخل المباشر، وهو ما يتعارض مع وعود ترامب الانتخابية.
2-طهران وحرب الاستنزاف
تقرأ القيادة الإيرانية المشهد في جنوب لبنان بكثير من الحذر الدبلوماسي والمكر الاستراتيجي. فهي لا تريد الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع واشنطن، ولذلك تجد في تورط الجيش الإسرائيلي في الوحل اللبناني مصلحة استراتيجية، وتعتبر أن نتنياهو ابتلع "الطُعم" من وجهة نظرها، وأن حرب الاستنزاف في لبنان هي الأداة المثالية لإنهاك تل ابيب عسكرياً واقتصادياً، وتعميق أزماتها الداخلية، دون أن تضطر طهران لإطلاق رصاصة واحدة من أراضيها. فهي تستخدم الصمود اللبناني كورقة ضغط قوية على طاولة مفاوضاتها المستقبليّة مع الإدارة الأميركية.
3-تل أبيب المنقسمة
في إسرائيل، الرؤية ليست موحدة. فالمؤسسة العسكرية تنظر إلى الحرب في لبنان كضرورة أمنية أُسيء استخدامها سياسياً. الجنرالات يريدون أهدافاً قابلة للتحقيق (إبعاد التهديد عن الحدود) للوصول إلى تسوية دبلوماسية، ويحذرون من الغرق في المستنقع اللبناني.
أمّا اليمين المتطرف فيرى في الحرب "فرصة تاريخيّة" لإعادة رسم خرائط الشرق الأوسط وفرض واقع ديموغرافي وأمني جديد، حتى لو كان الثمن عزلة دولية.
إضافة الى ذلك، المعارضة والشارع ينظران إلى الحرب بعين الريبة، وهما على قناعة بشكل متزايد أن نتنياهو يضحّي بدماء الجنود واقتصاد الكيان من أجل تأخير مثوله أمام لجان التحقيق ودخول السجن.
4-أوروبا ورعب الهجرة
يقف الاتحاد الأوروبي موقف العاجز والمذعور في آن واحد. الرؤية الأوروبية لا تنطلق من حسابات جيوسياسية كبرى بقدر ما تنطلق من "رعب الهجرة". لأنّ التدمير الممنهج في لبنان ينذر بانهيار كامل للدولة اللبنانية، ما يعني احتمال توجّه مئات الآلاف من النازحين اللبنانيين والسوريين مع الفلسطينيين عبر قوارب الموت نحو قبرص واليونان وإيطاليا. لذلك، تدين بروكسل العمليّات العسكريّة بشدّة، وتضغط دبلوماسياً لوقف إطلاق النار، خوفاً من أن تدفع القارة العجوز ثمن مغامرات ومقامرات نتنياهو السياسية من أمنها الاجتماعي والسياسي الداخلي.
في الخلاصة، إن المعارك الطاحنة في جنوب لبنان في هذا الصيف اللاهب من عام 2026 ليست مجرد تكتيكات عسكرية، بل هي مرآة تعكس أزمة قيادة في إسرائيل. وبينما تنتظر العواصم الكبرى جلاء غبار المعارك لترتيب أوراق المنطقة، يبدو أنّ مصير بنيامين نتنياهو قد رُبط بشكل لا فكاك منه بصخور جنوب لبنان، حيث يُكتب التاريخ دائماً بنهايات قاسية لمن يسيء تقدير الجغرافيا وإرادة البقاء.





















































