أطلقت مدينة زحلة المئوية الثالثة لعيد أعيادها "خميس الجسد الإلهي"، ذلك التقليد الذي توارثه الزحليون جيلاً بعد جيل منذ أكثر من مئتي عام، ليبقى علامة مضيئة في تاريخ المدينة وذاكرتها الروحية.
ومنذ ساعات الفجر الأولى، دقّت أجراس الكنائس معلنة بدء الاحتفالات، فارتفعت الصلوات والتراتيل في مختلف الرعايا، قبل أن تنطلق مواكب القربان المقدس من الكنائس والأحياء، لتلتقي امام سراي زحلة بحضور أساقفة المدينة، إبراهيم مخايل إبراهيم، جوزف معوض، انطونيوس الصوري وبولس سفر، رئيس عام الرهبانية الباسيلية الشويرية ألأرشمندريت جورج نجار وكهنة الرعايا في زحلة.
وكانت للمطران إبراهيم كلمة توجه فيها بالمعايدة الى الزحليين بمناسبة عيد أعياد المدينة خميس الجسد الإلهي، مشيراً إلى أن "دخولنا المئوية الثالثة لخميس الجسد ليس مجرد محطة زمنية عابرة، بل هو حدث تاريخي وروحي يحمل في طياته رسالة عميقة للأجيال الحاضرة والمستقبلية. فقبل مئتين وعام واحد، بدأ أجدادنا هذه المسيرة بإيمان راسخ ومحبة عميقة للقربان المقدس، وتعاقبت الأجيال حاملة الشعلة ذاتها، محافظة على هذا التقليد المقدس رغم كل ما مر على وطننا ومنطقتنا من ظروف وأحداث".
وأضاف: "مرت على زحلة ولبنان حروب ونزاعات وأزمات سياسية واقتصادية، واجهنا المجاعة والفقر والتهجير، وعشنا الأوبئة والأمراض والكوارث والانهيارات المالية، لكن أبناء زحلة لم يتخلوا يوماً عن عيدهم، ولم تنطفئ شعلة الإيمان في قلوبهم، لأنهم كانوا يدركون أن قوة المدينة الحقيقية لا تكمن فقط في أبنيتها ومؤسساتها، بل في إيمان أبنائها وثقتهم بالله".
ولفت إلى أنه "اليوم، ونحن نفتتح المئوية الثالثة لهذا العيد العظيم، نتضرع إلى الرب يسوع الحاضر بيننا في سر الإفخارستيا، أن يمد يده الشافية على لبنان، وأن يحرره من كل أوجاعه وأمراضه وأزماته. نصلي من أجل شفاء وطننا من وباء الحروب والفساد، ومن مرض الانقسام، ومن آفة اليأس التي تسللت إلى نفوس الكثيرين، ومن النزف المستمر الذي يتمثل بهجرة شبابنا وخيرة طاقاتنا البشرية"
وأشار إلى أن "زحلة وقفت دائماً إلى جانب الدولة اللبنانية ومؤسساتها الدستورية والقضائية والإدارية والعسكرية والأمنية، لأنها تؤمن بأن هذه المؤسسات هي الضمانة الحقيقية للاستقرار والعدالة والمساواة بين المواطنين. ومن هنا نجدد اليوم تمسكنا بالدولة اللبنانية الواحدة، وبمؤسساتها الشرعية، وندعو إلى تعزيز حضورها ودورها في خدمة المواطنين وفي حماية الوطن والحفاظ على وحدته واستقراره".
واعلن المطران إبراهيم عن عقد اجتماع مع المدراء العامين في الدولة لبحث أمور إنمائية في البقاع وللإطلاع على حاجاته، مشدداً على أن "البقاع وزحلة يستحقان اهتماماً أكبر من الدولة، سواء على مستوى البنى التحتية أو الخدمات أو المشاريع الإنمائية. فهذه المنطقة قدمت الكثير للبنان، وهي قادرة على تقديم المزيد إذا توفرت لها الإمكانات والفرص المناسبة".
بعدها انطلق التطواف الموحد يجوب شوارع المدينة، وسط مشاركة حاشدة من المؤمنين والكهنة والرهبان والراهبات والجمعيات الكشفية وحركات الشبيبة والأخويات والعائلات الزحلية.
وشكّل التطواف تجديداً للعهد الذي قطعه أهل زحلة منذ سنة 1825، عندما طيف بالقربان المقدس في شوارع المدينة طلباً للخلاص من وباء الطاعون، فارتبط هذا الحدث في الوجدان الشعبي بأعجوبة إلهية جعلت من خميس الجسد "عيد أعياد زحلة" ورمزاً لوحدة أبنائها وإيمانهم الراسخ.
وعلى امتداد مسار التطواف، ازدانت الشوارع والمنازل بالصمدات والورود والشموع، فيما علت رائحة البخور واختلطت بتراتيل المؤمنين الذين ساروا خلف القربان المقدس بخشوع وصلاة، في لوحة جسدت هوية زحلة الروحية والتراثية، وأكدت أن هذا العيد لا يجمع أبناء المدينة فحسب، بل يستقطب أيضاً آلاف المشاركين والزوار من مختلف المناطق اللبنانية والاغتراب.
ومع انطلاق المئوية الثالثة لهذا العيد العريق، تؤكد زحلة مرة جديدة أنها مدينة تحفظ إرثها وتصونه، وأن خميس الجسد الإلهي سيبقى أكثر من مناسبة دينية؛ إنه موعد سنوي تتجدد فيه ذاكرة المدينة، وتتوحد فيه القلوب حول قيم الإيمان والمحبة والرجاء، ليبقى "عيد أعياد زحلة" رسالة حياة وشهادة وفاء لتاريخ صنعه الآباء ويحمله الأبناء نحو المستقبل.




















































