افتتحت جامعة الروح القدس – الكسليك معرض "مئوية الدستور اللبناني (1926-2026): مئة عام، أيّ جمهورية؟"، برعاية وزير الثقافة غسان سلامة وحضوره، في مكتبة الجامعة، في حضور عدد من النواب ورئيس الجامعة الأب جوزف مكرزل وشخصيات سياسية وقضائية وأكاديمية وثقافية، إلى جانب حشد من المهتمين بالشأنين الدستوري والتاريخي.
يأتي هذا المعرض بمناسبة مرور مئة عام على إعلان الدستور اللبناني (1926–2026)، ويهدف إلى تسليط الضوء على المسار التاريخي الذي أسهم في تشكيل الهوية الدستورية للبنان. ويستمر لمدة شهر، ويضم مجموعة من الوثائق التاريخية والصور النادرة والخرائط والمطبوعات والأرشيفات التي توثق نشأة الكيان اللبناني وتطور مؤسساته، حيث يقدّم للزوار رحلة توثيقية عبر محطات مفصلية من تاريخ لبنان السياسي والدستوري، تبدأ من بروتوكول عام 1861 ومرحلة المتصرفية، مرورًا بإعلان دولة لبنان الكبير عام 1920، وصولًا إلى إقرار الدستور اللبناني عام 1926.
استهلّ الاحتفال بالنشيد الوطني اللبناني، وكلمة لعريف الحفل الإعلامي داني حدّاد الذي تساءل: "مئة عام على الدستور، ونسأل، كما في عنوان المعرض: أيُّ جمهوريّة؟ أجمهوريّة يُبَلّ فيها الدستور ويُشرب ماؤه، كما حصل مرارًا في الأعوام المئة التي مضت، بحجّة التوافق أو الضرورات التي تُبيح المحظورات؟ أم جمهوريّة يعلو فيها النصّ على الطوائف والزعامات، فيحترم، لا كحبر على ورق، بل كحكم حين يدخل اللبنانيّون في نزاعات، وهم غالبًا ما يدخلون، وكم يصعب الخروج؟".
ثم ألقى وزير الثقافة كلمة أكد فيها أن الأحداث الكبرى التي يمر بها لبنان كثيرًا ما تحجب عن اللبنانيين فرصة التأمل العميق في المحطات التأسيسية التي صنعت دولتهم وشكلت مسارها السياسي والدستوري.
وأشار إلى أن انفجار مرفأ بيروت عام 2020 حال دون التفكير مليًّا بإنشاء الكيان وإحياء مئوية الدستور، فيما جاءت الحرب التي اندلعت في الثاني من آذار هذا العام، لتكاد تحرم اللبنانيين مجددًا من التوقف عند محطة أساسية أخرى هي الدستور اللبناني، "النص الهادي للمؤسسات والمنظم لحياة المواطنين".
وأشاد الوزير سلامة بمبادرة جامعة الروح القدس – الكسليك التي اختارت تجاوز ضجيج الأحداث الراهنة والدعوة إلى قراءة متأنية للدستور والتفكر في معانيه ودلالاته.
وقال: "إن تاريخ هذا الدستور يحمل في طياته مفارقات لافتة، إذ إن سلطة الانتداب الفرنسي شجعت اللبنانيين على وضعه عام 1926 قبل أن تعمد لاحقًا إلى تعليق العمل به. كما لفت إلى أن فرنسا وضعت للبنان دستورًا ذا طابع رئاسي قوي في ظل الجمهورية الثالثة التي حرمت رئيس جمهوريتها من كامل صلاحياته".
وأضاف أن من بين الخصوصيات التي ميّزت الدستور اللبناني المادة 95، التي أدخلت التوازنات الطائفية إلى صلب الحياة الدستورية، وجعلت النظام السياسي اللبناني مختلفًا عن النماذج الرئاسية التقليدية المعروفة.
واستعاد مرحلة اتفاق الطائف، موضحًا أنه لم يكن حاضرًا عند وضع دستور عام 1926، لكنه كان شاهدًا على أهم تعديلاته بوصفه مستشارًا للجنة الدستورية التي عملت على صياغة الاتفاق عام 1989. وأكد أن النقاشات التي سبقت التوصل إلى الطائف لم تكن مجرد بحث علمي متجرد عن أفضل النظم السياسية، بل كانت تجري تحت ضغط الحرب الأهلية ووسط الحاجة الملحّة إلى وقف الاقتتال وإنهاء النزاع الذي كان يفتك بالبلاد.
وقال: "إن اتفاق الطائف جاء انعكاسًا لأفكار كانت متداولة داخل النخبة السياسية اللبنانية آنذاك، لكنه تأثر أيضًا بضغوط القوى المسلحة المحلية وسلطة الوصاية القائمة في تلك المرحلة. ولذلك، فإن الاتفاق عبّر قدر الإمكان عن تطلعات اللبنانيين، كما عكس في الوقت نفسه تعقيدات اللحظة التاريخية والضغوط التي أحاطت بصناع القرار".
ورأى الوزير سلامة أن مرور مئة عام على وضع الدستور، وأكثر من ثلاثة عقود على اتفاق الطائف، يفرض على اللبنانيين مراجعة تجربتهم الدستورية بصدق وموضوعية، مشيرًا إلى أن نصوص الدستور والاتفاق احترمت أحيانًا وخولفت في أحيان كثيرة، كما أن اللبنانيين لم يتفقوا دائمًا على كيفية تفسيرها أو تطبيقها.
وأعرب عن أمله في "أن تشهد البلاد مرحلة من الاستقرار والتعافي والسلم الأهلي العميق، تسمح بإجراء مراجعة هادئة للدستور واتفاق الطائف، وتقييم مدى الالتزام بأحكامهما، ومحاسبة أنفسنا على مدى الوفاء لهما، وصولًا إلى طرح سؤال جوهري طالما أُرجئ بسبب ظروف الانتداب والحرب والوصاية: ما هو الدستور الأفضل للبنان؟"
وأكد "أن هذا السؤال يتجاوز البعد الأكاديمي، لأن الدستور يشكل أولًا عقدًا اجتماعيًا ينظم العلاقة بين الدولة والمواطنين وبين المواطنين أنفسهم، ويجب أن يحظى بقبول واسع من المجتمع. كما أنه، ثانيًا، الإطار القانوني الذي يحدد قواعد اللعبة الديمقراطية، الأمر الذي يتطلب وضوحًا في النصوص وتوافقًا حول تفسيرها، تجنبًا للنزاعات والاجتهادات المتعارضة مشددًا على أن الدستور ليس كتابًا يخص النخب وحدها، بل هو وثيقة تعني كل مواطن".
وتوجه بالشكر إلى جامعة الروح القدس على تنظيمها هذا المعرض، مثنيًا على تعاونها مع وزارة الثقافة التي تستعد لإطلاق معرض مكمّل خلال الشهرين المقبلين، معتبرًا أن هذه المبادرات تجسد نموذجًا إيجابيًا للتعاون بين مؤسسات الدولة والجامعات اللبنانية الكبرى.
ثم انعقدت ندوة حوارية تناولت أبعاد التجربة الدستورية اللبنانية خلال القرن الماضي، شارك فيها المؤرخان الدكتور أنطوان حكيّم ونائل أبو شقرا، ورئيس مجلس القضاء الأعلى السابق القاضي الدكتور غالب غانم، ووزير الشؤون الاجتماعية السابق رشيد درباس، ووزير الدولة السابق إبراهيم شمس الدين.
وتناولت المداخلات الدستور اللبناني من زوايا تاريخية ودستورية ووطنية متكاملة. وأجمعت على أن مئوية الدستور اللبناني لا تقتصر على استذكار محطة تاريخية مفصلية، بل تشكّل فرصة لإعادة قراءة التجربة اللبنانية، وتقييم مسار الدولة ومؤسساتها، وتجديد الالتزام بالدستور بوصفه الإطار الجامع لحماية الكيان اللبناني وترسيخ العيش المشترك وبناء دولة القانون.
وألقى أمين مكتبة الجامعة الأب فادي كميد كلمة أكد فيها أن جامعة الروح القدس – الكسليك شكّلت على مدى تاريخها مساحة للحوار الحر وبيتًا للفكر يرفض الصمت أمام القضايا المصيرية، معتبرًا أن الجامعة التي تتخلى عن مساءلة الواقع تفقد رسالتها، فيما تساهم الجامعة التي تطرح الأسئلة الصعبة في صناعة المستقبل.
وأوضح أن المعرض لا يهدف فقط إلى استذكار مئة عام على إقرار دستور عام 1926، بل يدعو أيضًا إلى إعادة التفكير في معنى الجمهورية اللبنانية ومقوماتها. وطرح سلسلة من التساؤلات حول ماهية الجمهورية، متسائلًا عمّا إذا كانت مجرد مؤسسات ونصوص دستورية، أم أنها قبل كل شيء ثقافة مواطنة وعدالة وكرامة إنسانية وإيمان بالشراكة والمصلحة العامة.
وأشار الأب كميد إلى أن الوثائق المعروضة تكشف بوضوح أن دستور عام 1926 لم يكن حدثًا عابرًا، بل ثمرة مسار طويل من النقاشات والتجاذبات والتحولات السياسية.
ولفت إلى أنه وُلد في مرحلة كان اللبنانيون يبحثون خلالها عن صيغة وطن وشكل الدولة التي تعبّر عن تطلعاتهم، بين تأثيرات الانتداب الفرنسي وإرادة أبناء البلاد في تقرير مصيرهم وصوغ مستقبلهم.
ورأى أن السؤال المطروح اليوم يتجاوز استعادة الماضي، ليصل إلى تقييم التجربة اللبنانية بعد مرور قرن على قيام الجمهورية. وقال إن التحدي الحقيقي يكمن في الإجابة عن أسئلة جوهرية تتعلق بمدى نجاح الدولة في تحقيق تطلعات اللبنانيين، وفي ما إذا كان الدستور قد شكّل فعلًا ضمانة للعدالة والمساواة، وساهم في بناء وطن يشعر فيه الإنسان بأنه مواطن كامل الحقوق، ويتمتع بالكرامة التي قامت الدولة أساسًا من أجل حمايتها.
وشدد على أن المعرض يشكل ثمرة قناعة راسخة بأهمية حفظ الوثائق والذاكرة الوطنية، معتبرًا أن صون الأرشيف ليس مجرد عمل تقني أو إداري، بل مسؤولية ثقافية وأخلاقية. فالذاكرة الجماعية شرط أساسي لبقاء الشعوب، وأن كل وثيقة يتم حفظها تمثل دفاعًا عن الحقيقة، فيما تشكل إعادة قراءة الصفحات التاريخية مقاومة للنسيان والتشويه.
كما لفت إلى أن مكتبة جامعة الروح القدس – الكسليك لا تكتفي بجمع الأرشيف، بل تسعى إلى جعله حيًا وقادرًا على محاورة الحاضر والإسهام في إنتاج الوعي، انطلاقًا من إيمانها بأن الجامعة ليست مستودعًا للمعرفة فحسب، بل فضاء يلتقي فيه التاريخ مع الأسئلة الكبرى التي يواجهها المجتمع.
وأشار إلى أن لبنان الذي عاش قبل مئة عام مخاض ولادة الجمهورية، يعيش اليوم مخاض إعادة تعريفها في ظل الأزمات الاقتصادية والانهيارات السياسية والحروب والتحولات الكبرى. ورغم التحديات، ما زال لبنان قادرًا على النهوض لأنه يقوم على فكرة تتجاوز الأزمات، تتمثل في العيش الكريم وصون الحرية وتنمية الإنسان.
واعتبر أن مئوية الدستور لا ينبغي أن تكون مجرد احتفال بالماضي، بل مناسبة للتطلع إلى المستقبل، من خلال قراءة الدستور كنص حي يحتاج إلى من يحمي روحه لا حرفه فقط، موجهًا دعوة إلى الأجيال الشابة وطلاب الجامعات لعدم الخوف من السؤال والتفكير والحلم بجمهورية أفضل.
واختُتم الاحتفال بافتتاح المعرض رسميًا وجولة للحضور بين أقسامه المختلفة، حيث اطّلعوا على محتوياته التي تستحضر مئة عام من التاريخ الدستوري اللبناني.






































































