على الرغم من الرفض المعلن من قِبل "​حزب الله​"، على لسان أمينه العام الشيخ ​نعيم قاسم​، ل​اتفاق وقف إطلاق النار​ بين ​لبنان​ وإسرائيل، تبدو هناك خشية واضحة من الإعلان الرسمي عن سقوطه. والسبب هو أن البديل يتمثل في تصعيد كبير لن تبقى حدوده محصورة بالساحة المحلية، لا سيما في ضوء المواقف الصادرة عن الجانب الإيراني.

لم يكن متوقعاً موافقة "حزب الله" على هذا الاتفاق نظراً إلى خطورة بنوده. فمن الواضح أن المطلوب منه هو تقديم التزامات عملية من جانب واحد، بينما ينص الاتفاق أيضاً على إنهاء حالة العداء بين الدولتين اللبنانية والإسرائيلية، والعمل على تفكيك "حزب الله" في المرحلة المقبلة. وهذا يعني، بشكل أو بآخر، فرض استسلامه، في حين يرى "الحزب" أن الواقع على الأرض لا يعكس ذلك.

وفي قراءة للمشهد من قِبل مصادر سياسية متابعة لـ "​النشرة​"، هناك عاملان أساسيان يسهمان في تعزيز موقع "حزب الله" في الوقت الراهن: الأول هو التدخل الإيراني القوي في المعادلات اللبنانية، حيث لوّحت ​طهران​ بالعودة إلى حرب مفتوحة على مستوى المنطقة لمنع الانفراد بـ "حزب الله". والثاني هو رغبة الرئيس الأميركي ​دونالد ترامب​ في تجنّب ذلك، وسعيه للتوصل إلى اتفاق مع إيران، أو على الأقل منع انفجار الأوضاع مجدداً في المرحلة الحالية.

وترى هذه المصادر أن هذين العاملين هما السبب الرئيسي في عدم المبادرة إلى الإعلان عن سقوط الاتفاق، لأن ذلك سيفتح الباب أمام إسرائيل للعودة إلى تهديدات التصعيد، مثل ضرب الضاحية الجنوبية. ومثل هذا الإجراء سيؤدي حتماً إلى تحرك عسكري من جانب طهران، وعلى الأرجح بمشاركة عدد من حلفائها في المنطقة، مما سيستدعي عودة ​الولايات المتحدة​ إلى الحرب، تماماً كما كان الوضع قبل اتفاق وقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران.

في هذا المجال، يشكل الموقف الأميركي عامل ضغط على رئيس الوزراء الإسرائيلي ​بنيامين نتانياهو​، الذي يواجه ضغوطاً داخلية تدفعه نحو العودة إلى حرب شاملة في لبنان، متجاوزاً الخطوط الحمراء التي يرسمها ترامب. ومع ذلك، يدرك نتانياهو أنه لا يستطيع المبادرة إلى أي خطوة كبرى من دون موافقة واشنطن، بسبب التداعيات الخطيرة التي قد تترتب على ذلك.

وتلفت المصادر السياسية إلى نقطة جوهرية عبّر عنها ترامب مؤخراً، حين أشار إلى أن وقف إطلاق النار في لبنان، رغم اختلافه، يبقى مرتبطاً بملف إيران. وهذا يؤكد أن الحل الشامل في بيروت لا يمكن أن يتحقق من دون اتفاق مع طهران، على عكس ما توحي به بنود الاتفاق المعلن، الذي نصّ على أن إنهاء الأعمال العدائية يجب أن يتم بين الحكومتين بتنسيق من واشنطن، وليس عبر أي مسار آخر.

ومن وجهة نظر هذه المصادر، يُعدّ هذا الاتفاق، شأنه شأن أي مسار للمفاوضات المباشرة، عملاً تراكمياً بالنسبة إلى واشنطن. وستعمل الإدارة الأميركية على الاستفادة منه في أي مفاوضات حقيقية لوقف إطلاق النار مع طهران مستقبلاً، انطلاقاً من أن ​الدولة اللبنانية​ سبق أن وافقت عليه، لا سيما أن خطوطه العريضة تحظى بموافقة العديد من الجهات الإقليمية والدولية التي تسعى بيروت إلى كسب دعمها.

في المحصلة، تشدد المصادر نفسها على أن الولايات المتحدة تدرك جيداً أن معالجة هذا الملف، في حال عدم الرغبة في خوض حرب شاملة تهدف إلى القضاء على "حزب الله"، لا يمكن أن تتم بمعزل عن إيران، التي تملك القدرة الأكبر على التأثير. وهو أمر مستبعد التحقق بموجب المسار الحالي الذي نصت عليه بنود الاتفاق بين بيروت وتل أبيب.