في ​الشرق الأوسط​، لا تتحكم الصواريخ وحدها بمسار الحروب، بل تلعب ​الجغرافيا​ دوراً لا يقل خطورةً عن القوة العسكرية نفسها. فالممرات البحرية والمضائق الاستراتيجية باتت جزءاً أساسياً من معادلات الضغط والتوازن الإقليمي والدولي.

ومع تصاعد المواجهة بين ​إيران​ و​إسرائيل​، يعود الحديث بقوة عن مضيقَي باب المندب وهرمز، وعن قدرة الجغرافيا على تحويل أي تصعيد عسكري إلى أزمة تتجاوز حدود المنطقة.

اليمن​... قوة الموقع

قد لا يُصنّف اليمن ضمن القوى الكبرى عسكرياً أو اقتصادياً، لكنه يمتلك ما يفوق القوة التقليدية خطورةً: الموقع الجغرافي. فهو يقع عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، ويُشرف مباشرة على ​مضيق باب المندب​، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، والذي يُشكّل حلقة وصل استراتيجية بين المحيط الهندي و​البحر الأحمر​ وقناة السويس وصولاً إلى أوروبا.

وبحسب مصادر مطلعة، فإن "خطورة اليمن لا تنبع فقط من موقعه، بل من طبيعة هذا الموقع أيضاً؛ إذ يُعدّ باب المندب ممراً ضيقاً وبالغ الحساسية، ما يجعل أي تهديد فيه قادراً على التأثير سريعاً في حركة الملاحة الدولية". وتضيف هذه المصادر أن "الحروب الحديثة لا تحتاج دائماً إلى إغلاق الممرات كلياً؛ إذ يكفي أحياناً رفع مستوى المخاطر الأمنية أو استهداف بعض السفن حتى يرتفع منسوب القلق الدولي".

باب المندب وهرمز... الكماشة البحرية

تمتلك إيران موقعاً بالغ الحساسية عند ​مضيق هرمز​، فيما يقع اليمن عند باب المندب، مما يضع المضيقَين في قلب أي مواجهة إقليمية محتملة. وتوضح المصادر أن "المضيقَين يُشكّلان معاً ما يشبه كماشة بحرية على خطوط الملاحة الدولية؛ فهرمز يتحكم بحركة الخليج، وباب المندب بمدخل البحر الأحمر، وبينهما تمر نسبة ضخمة من التجارة والطاقة العالميتين". وترى أن "أي تصعيد متزامن في هذين الموقعين لن يُنظر إليه كحدث إقليمي فحسب، بل كعاملٍ قادرٍ على تغيير إيقاع المنطقة والعالم".

إسرائيل والجغرافيا المعقدة

في المقابل، تواجه إسرائيل تعقيداً جغرافياً مختلفاً؛ إذ تقع وسط منطقة مليئة بالجبهات المتداخلة: لبنان شمالاً، وغزة جنوباً، وسوريا شرقاً، والبحر الأحمر جنوباً عبر ميناء إيلات. وبحسب المصادر، فإن "أي توسع للحرب قد يضع إسرائيل أمام ضغوط متزامنة من أكثر من اتجاه، لا سيما إذا تحولت الممرات البحرية إلى ساحة للمواجهة". يُضاف إلى ذلك أن اعتماد إسرائيل على خطوط التجارة البحرية يجعل أي اضطراب في البحر الأحمر عاملاً حساساً بالنسبة إليها، أمنياً واستراتيجياً في آنٍ معاً.

هل تمنع الجغرافيا الحرب؟

ترى المصادر أن "المفارقة تكمن في أن الجغرافيا ذاتها التي قد توسّع الحرب، قد تكون أيضاً سبباً في الحدّ منها، لأن حساسية الممرات البحرية ترفع كلفة الانفجار الكبير على جميع الأطراف". وتضيف أن "أي خروج عن السيطرة على هذه المضائق قد يفتح مرحلة يصعب احتواؤها، مما يجعل الجغرافيا أحياناً رادعاً غير مباشر يفرض حدوداً على التصعيد".

تكشف تطورات المنطقة اليوم أن الجغرافيا لم تعد عنصراً ثابتاً على الخريطة فحسب، بل تحولت إلى ركيزة أساسية في موازين القوة والصراع. ومن هرمز إلى باب المندب، يبدو الشرق الأوسط أمام مرحلة تتشابك فيها الجغرافيا مع السياسة والأمن بصورة غير مسبوقة، فيما يُثبت اليمن مجدداً أن الموقع الجغرافي وحده كفيل بتحويل دولة تعصف بها أزمات داخلية إلى لاعب إقليمي مؤثر لا يمكن تجاهله.