مع تسارع وتيرة التغيُّرات الإقليمية والدولية، واستمرار النقاشات حول الترتيبات السياسية والأمنية الجديدة في منطقة الشرق الأوسط، يجد لبنان نفسه مرّة أخرى أمام مفترق طرق تاريخي وسؤال جوهري يعيد طرح نفسه بقوة: كيف ينبغي صياغة القرارات المصيرية المتعلقة بمستقبله واستقراره، ومصالحه الوطنية العليا؟ وهل يمتلك القدرة على التحرر من جاذبية التجاذبات الخارجية لرسم مساره بيده؟
بحكم الموقع الجغرافي الفريد، والامتداد التاريخي، والتركيبة السياسية والاجتماعية المعقدة، يتأثر لبنان بشكل تلقائي ومباشر بكل عاصفة أو تسوية تشهدها المنطقة. وهذا التأثر الطبيعي جعل الساحة اللبنانية على الدوام مرآة تعكس صراعات المحاور. ومع ذلك، ترتفع اليوم أصوات كثيرة من مختلف المكونات لتؤكد أن هذا التلازم لا يعني بالضرورة الاستسلام للقدر الإقليمي. وتشدد هذه المقاربات على أن أي مسار يخص مستقبل البلاد يجب أن ينطلق أولاً وأخيراً من المصلحة الوطنية اللبنانية الصرفة، وأن يتم بحثه وإقراره حصرياً عبر القنوات الدستورية والمؤسسات الشرعية للدولة، كبرلمان وحكومة يعبران عن إرادة الشعب.
هذا النقاش المتجدد يضعنا أمام معضلة مركزية وهي: هل قُدِّر لمستقبل لبنان أن يظل ملحقاً بالتفاهمات الخارجية وصندوق بريد لتبادل الرسائل بين القوى الإقليمية، أم أن اللحظة الراهنة، بكل ما تحمله من تحديات وجودية، تستدعي صياغة مقاربة لبنانية شجاعة، أكثر وضوحاً واستقلالية؟
يرى مؤيدو طرح الاستقلالية والسيادة التامة أن اختزال لبنان كجزء من ملفات التفاوض الإقليمية الكبرى يضعف موقفه التفاوضي ويسلب الدولة هيبتها وقدرتها على المبادرة. فالقرارات التي تمس أمن المواطن اللبناني، واقتصاد البلاد المنهك، واستقراره السلمي، لا يمكن ولا يجوز أن تُصنع في عواصم القرار الخارجي بمعزل عن أصحاب المصلحة الحقيقيين. وإن الرهان على أن تأتي الحلول من الخارج غالباً ما أثبت إخفاقه، بل أدى في كثير من الأحيان إلى تمديد الأزمات الداخلية وتعميق الانقسامات. لذلك، يجب أن تعكس القرارات أولويات الشارع اللبناني وتطلعاته نحو الاستقرار والرفاه، بعيداً عن حسابات المكاسب والتكاليف لدى القوى الخارجية.
من جهة أخرى، لا تعني هذه الاستقلالية بأي حال من الأحوال الانكفاء أو الانعزال أو رفض الحوار مع المجتمع الدولي، بل على العكس تماماً، فإن لبنان، نظراً لتركيبته وموقعه، يحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى بناء علاقات دبلوماسية واقتصادية بنّاءة ومتوازنة مع محيطه العربي والدولي. غير أن الشرط الأساسي لهذا التعاون هو أن يكون نِدًّا لنِدّ، بحيث يساهم في تعزيز سيادة الدولة وبسط سلطتها على كامل أراضيها، لا أن يكون بديلاً عن عملية صنع القرار الوطني المستقل أو غطاءً لمصادرة الإرادة اللبنانية.
في ظل هذا المشهد، تطرح فكرة "لبنان أولاً" نفسها كرسالة مدنية ووطنية وهادئة. إنها فكرة جامعة لا تستهدف إقصاء أي طرف داخلي، ولا معاداة أي جهة خارجية، بل هي دعوة صريحة للعودة إلى كنف الدولة. تتلخص هذه الرؤية في إعلاء منطق القانون، وتقوية المؤسسات الدستورية والعسكرية، وتحمّل المسؤولية الوطنية الجماعية لإخراج البلاد من أزماتها المتراكمة.
في نهاية المطاف، يكمن التحدّي الأكبر والامتحان الحقيقي الذي يواجه لبنان اليوم في كيفية حماية قراره الوطني الحر وسط بيئة إقليمية بالغة التعقيد والاضطراب. وإن بناء لبنان المستقر والآمن لا يبدأ من طاولات المفاوضات الدولية، بل ينطلق من قاعدة صلبة ومبدأ ثابت: أن مستقبل هذا البلد يجب أن تصنعه المؤسسات اللبنانية وحدها، تلبيةً لمصالح شعبها وطموحات أجياله القادمة.
"لبنان أولاً" ليس مجرد شعار سياسي، بل هو الممر الإلزامي نحو قيام دولة مستقلة، قوية، وقرار سيد ومسؤول.


















































