مع تصاعد التوتر بين ​الولايات المتحدة​ و​إيران​ وتزايد المخاوف من اتساع رقعة المواجهة في الشرق الأوسط، يعود الحديث بقوة عن الممرات البحرية الاستراتيجية التي تشكّل شرايين الاقتصاد العالمي. فإلى جانب ​مضيق هرمز​، يبرز ​باب المندب​ كأحد أهم نقاط العبور البحرية في العالم، إذ تمر عبرهما نسبة كبيرة من حركة التجارة والطاقة بين آسيا وأوروبا.

ومع اقتراب ​كأس العالم 2026​ الذي تستضيفه الولايات المتحدة و​كندا​ و​المكسيك​، تطرح التطورات الراهنة تساؤلات جدية حول التداعيات الاقتصادية المحتملة لأي اضطراب أو إغلاق في هذين الممرين، ليس فقط على أسواق النفط والشحن العالمية، بل أيضاً على حركة السفر وتكاليف المعيشة والخدمات المرتبطة بأكبر حدث رياضي مرتقب في العالم.

شريانان للاقتصاد العالمي

يرى مدير CNN Business العربية ​حسام سابا​ لـ"النشرة" أن "مضيق هرمز يعيش عملياً حالة اضطراب حادة، وإذا أُغلق باب المندب أيضاً، فإننا لن نكون أمام أزمة إقليمية، بل أمام صدمة عالمية في سلاسل الطاقة والتجارة". ويشير إلى أن نحو 20% من استهلاك النفط العالمي يمر عبر مضيق هرمز، فيما يشكّل باب المندب البوابة الأساسية التي تربط آسيا بأوروبا عبر ​قناة السويس​.

ويضيف سابا أن "أي تعطيل متزامن للممرين سيؤدي إلى ارتفاع كبير في تكاليف النقل والتأمين والشحن، كما سيتسبب في تأخير وصول البضائع والطاقة إلى الأسواق العالمية بأكثر من ضعف المعدلات الحالية".

ارتفاع كلفة الشحن والطاقة

ويعتبر سابا أن الخطورة لا تكمن فقط في حركة النفط، بل في انعكاسات الإغلاق على التجارة العالمية ككل، موضحاً أن "المحيطات تكاد تكون خالية من ناقلات النفط القادمة من الخليج، وفي حال إغلاق باب المندب ستُجبر الناقلات المتجهة من ​ميناء ينبع​ السعودي إلى آسيا على الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، وهو مسار أطول بكثير وأعلى كلفة".

ويضيف أن السفن المتجهة من أوروبا إلى آسيا وبالعكس، ستضطر أيضاً إلى تغيير مساراتها، ما يعني زيادة مدة الرحلات البحرية بنحو 15 يوماً، الأمر الذي سيرفع تكاليف الشحن ويزيد الضغط على سلاسل الإمداد العالمية.

وتشير مصادر اقتصادية إلى أن تداعيات أي اضطراب طويل الأمد في باب المندب لن تقتصر على قطاع الطاقة، بل ستطال الأمن الغذائي العالمي أيضاً، لما تؤدّيه حركة الشحن البحري من دور محوري في نقل المواد الغذائية والحبوب والمواد الأولية بين القارات. كما أن ارتفاع أسعار الطاقة والغاز ينعكس مباشرة على صناعة الأسمدة، ما قد يؤدي إلى زيادة إضافية في أسعار المنتجات الزراعية والغذائية حول العالم.

أميركا بين الخسائر والمكاسب

أما بالنسبة إلى الولايات المتحدة، فيرى سابا أن التأثير سيكون مزدوجاً. فمن جهة، سيؤدي ارتفاع ​أسعار النفط​ والشحن إلى زيادة معدلات التضخم ورفع أسعار السلع الاستهلاكية وتكاليف السفر، في حين يواجه الرئيس الأميركي ​دونالد ترامب​ ضغوطاً اقتصادية مرتبطة بارتفاع الأسعار إلى أعلى مستوياتها منذ أكثر من عام.

ويشير إلى أن بعض التقديرات تتوقع ارتفاع سعر خام برنت إلى ما بين 120 و130 دولاراً للبرميل، فيما قد يتجاوز 150 دولاراً في حال استمرار الاضطرابات لفترة طويلة.

في المقابل، ستكون شركات النفط الأميركية من أبرز المستفيدين من هذا الواقع. فمع تحوّل الولايات المتحدة إلى أكبر منتج للنفط في العالم، فإن ارتفاع الأسعار يعني زيادة الإيرادات والأرباح لشركات الإنتاج والتكرير، كما يمنح صادرات النفط والغاز الأميركية فرصة أكبر لتعويض جزء من النقص العالمي في الإمدادات.

هل يتأثر كأس العالم 2026؟

لكن تداعيات أي تصعيد في باب المندب أو هرمز لن تبقى محصورة في أسواق الطاقة، بل قد تمتد إلى قطاعات أخرى، وفي مقدمتها السياحة والسفر المرتبطان بكأس العالم 2026.

وتشير مصادر اقتصادية إلى أن كأس العالم 2026 سيكون الأكبر في تاريخ البطولة، بمشاركة 48 منتخباً وإقامة 104 مباريات موزعة بين الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، ما يعني حركة سفر غير مسبوقة لملايين المشجعين القادمين من مختلف أنحاء العالم.

وفي هذا السياق، يؤكد سابا أن "التأثير لن يطال تنظيم البطولة نفسها، بل كلفتها". ويوضح أن ملايين المشجعين المتوقع سفرهم إلى الولايات المتحدة وكندا والمكسيك قد يواجهون ارتفاعاً ملحوظاً في أسعار تذاكر الطيران والإقامة والنقل الداخلي نتيجة زيادة أسعار الوقود.

وتلفت المصادر إلى أن شركات الطيران ستكون من أكثر الجهات تأثراً بأي ارتفاع حاد في أسعار النفط، باعتبار أن الوقود يشكل أحد أبرز عناصر الكلفة التشغيلية. ومن ثَمّ فإن أي قفزة في أسعار الطاقة ستُثقل كاهل المشجعين القادمين من أوروبا وآسيا وأميركا اللاتينية.

ويضيف سابا أن أي تصعيد إضافي في باب المندب خلال الفترة المقبلة قد يتحول إلى عامل اقتصادي مؤثر على تجربة الزوار وكلفة السفر العالمية، فضلاً عن انعكاس ارتفاع أسعار الوقود والأسمدة على أسعار المنتجات الغذائية ووجبات المطاعم خلال فترة البطولة.

وتشير المصادر إلى أن التأثير المحتمل لن يقتصر على النقل الجوي، بل قد يمتد إلى الفنادق والمطاعم والخدمات السياحية في المدن المستضيفة للمباريات. فارتفاع تكاليف الشحن والطاقة عالمياً ينعكس على أسعار المواد الغذائية والسلع الاستهلاكية، ما سيُثقل كلفة الإقامة والإنفاق اليومي للمشجعين.

كما تلفت المصادر إلى أن أي ارتفاع كبير في أسعار النفط خلال الأشهر التي تسبق كأس العالم سيضع الإدارة الأميركية أمام تحدٍ إضافي يتعلق بالتضخم وكلفة المعيشة، خصوصاً أن أسعار الوقود تبقى من أكثر المؤشرات الاقتصادية حساسية لدى المستهلك الأميركي.

وترى المصادر أن نجاح الولايات المتحدة في استضافة كأس العالم لا يرتبط فقط بالجوانب التنظيمية والأمنية، بل أيضاً بقدرتها على استقبال ملايين الزوار في بيئة اقتصادية مستقرة. لذلك فإن أي اضطراب طويل الأمد في الممرات البحرية الاستراتيجية قد يضيف أعباء مالية على المشجعين والشركات والقطاعات المرتبطة بالحدث، حتى لو لم يؤثر مباشرة على إقامة المباريات أو جدولها.

تداعيات تتجاوز حدود المنطقة

في المحصلة، لا يقتصر تأثير أي تصعيد في باب المندب أو هرمز على أسواق الطاقة وحدها، بل يمتد ليطال التجارة العالمية وسلاسل الإمداد والتضخم وتكاليف النقل والسفر. وبينما قد تستفيد بعض الشركات والدول المنتجة للطاقة من ارتفاع الأسعار، يبقى المستهلك العالمي الحلقة الأكثر تأثراً بأي اضطراب طويل الأمد.

ومع اقتراب كأس العالم 2026، تبدو الأحداث الجيوسياسية أكثر ارتباطاً من أي وقت مضى بالرياضة والاقتصاد معاً، ما يجعل استقرار الممرات البحرية الاستراتيجية عاملاً أساسياً ليس فقط لحماية الأسواق العالمية، بل أيضاً لضمان تنظيم حدث عالمي ينتظره الملايين بأقل قدر ممكن من التداعيات الاقتصادية.