نتابع شرح الأيقونة. نشاهد في القسم الأكبر العلويِّ دائرة كبرى محورها الربُّ يسوع المسيح الَّذي هو مصدر القداسة ونقطة الارتكاز.
تجمع الدائرة الكبرى بين الكمال والانسجام، هذا من جهة، وبين المسكونة جمعاء وكلِّ أقطار المسكونة من جهة أخرى. وسطها الربُّ يسوع المسيح الَّذي هو المحور ونقطة الارتكاز. يسوع جالس في مجده يبارك بيده اليمنى، ويحمل بيده اليسرى الإنجيل مغلقًا، إشارة إلى الدينونة، أي أنَّ الحكم صدر في المجيء الثاني. تحيط به مخلوقات أربعة ترمز إلى الإنجيليِّين الأربعة: الملاك-الإنسان يرمز إلى متَّى لكونه بدأ إنجيله بنسب يسوع وتجسُّده، وركَّز مثل الإنجيليِّ لوقا على يسوع بأنَّه ابن الإنسان كما جاء برؤيا دانيال (7: 13). وبشارة متَّى الإنجيليِّ تعتبر على غرار الإنجيليِّين الثلاثة بشارة ملائكيَّة للبشريَّة. الأسد يرمز إلى مرقس لأنَّ إنجيله يبدأ ببشارة القدِّيس يوحنَّا المعمدان: «صوتُ صارخٍ في البرِّيَّة» كزئير الأسد. الثور يرمز إلى لوقا الإنجيليِّ لأنَّه يخبرنا منذ البداية عن زكريَّا في الهيكل حيث تُقدَّم الذبائح. أمَّا النسر فيرمز إلى يوحنَّا لأنَّه حلَّق في اللاهوت وأبدع. كم هو عظيم عمل الروح القدس! فيوحنَّا صيَّاد سمك وتفوَّق على الباقين، ويُعَدُّ أعظم لاهوتيٍّ في الكنيسة.
جيِّد أن نعرف بأنَّ المخلوقات الأربع مذكورة في سفر حزقيَّال والرؤيا.
يوجد خلف يسوع دائرتان مشعَّتان. ترمز الدائرة الداخليَّة الصغرى والأغمق إلى الجوهر الإلهيِّ المنزَّه عن الوصف والَّذي لا يدرك ويتجاوز الإدراك البشريَّ. أمَّا الدائرة الثانية الأكبر فترمز بالإضافة إلى مجد المسيح الإله، إلى التقاء السماء بالأرض. كلا الدائرتين ترمزان من خلال الشعاعات إلى النور غير المخلوق.
نشاهد عن يمين يسوع والدة الإله وعن يساره القدِّيس يوحنَّا المعمدان. هما يقفان متضرِّعين للبشريَّة، وهناك أيقونة نشاهد فيها ثلاثتهم تدعى δέησις – Deisis وهي كلمة يونانيَّة تعني التضرُّع، لهذا تدعى أيقونة الشفاعة.
فوق يسوع يقف رئيس الملائكة وعن يمينه ويساره ملائكة، كيف لا، فحيث يكون الملك موجودًا تحيط به الملائكة.
تحت يسوع يوجد أيضًا مشهد إيقونغرافيٌّ يدعى تحضير العرش (Hetoimasia) حيث نشاهد عرشًا عليه الإنجيل وصليبًا. نحن ندان بحسب كلمة الإنجيل، والصليب هو كالميزان لحياتنا، وهو علامة الانتصار والغلبة. إنَّها صورة عن المجيء الثاني. كما نشاهد آدم وحوَّاء يسجدان حاملين جرَّة، هي صورة عن والدة الإله الإناء الذهبيِّ. هي الَّتي حملت في أحشائها الإله المتجسِّد الخبز السماويَّ النازل من السماء كما قال الربُّ عن نفسه (يوحنَّا 6: 51). ففي قدس الأقداس في هيكل أورشليم وضعت جرَّة بداخلها قسط من المنِّ الَّذي أعطاه الربُّ للشعب في البرِّيَّة كقوت كي لا يموت جوعًا، أمَّا يسوع فأعطانا جسده قوتًا أبديًّا للحياة الأبديَّة.
ترتيب الصفوف داخل الدائرة الكبرى من الأعلى إلى الأسفل: الملائكة، الأبرار في العهد القديم، الرسل، البطاركة، الشهداء، الرهبان القدِّيسون، وقدِّيسون وقدِّيسات.
في الأسفل صورة عن الفردوس حيث نشاهد الطبيعة الحيَّة المزهرة والمرتوية، وفي الوسط لصُّ اليمين حاملًا الصليب كما قال له يسوع: «الحقَّ أقول لك: إنَّك اليوم تكون معي في الفردوس» (لوقا 23: 42-43). ونرى ابراهيم ويعقوب جالسَين يحملان قماشة، رمزًا لقدسيَّة النفوس فيها، والأبرار والصدِّيقين الَّذين وجدوا الراحة في حضنيهما (لوقا ١6 :١9-٣١).
إنَّها أيقونة «سَحابةٌ من الشُهود» يتمحورون حول الإله القدُّوس ملك القدِّيسين (رؤيا 15: 3).
أعطنا يا ربُّ أن نكون من ضمنهم.
إلى الربِّ نطلب.
[2]. Τετράμορφος Tetrámorphos
[3]. 1: 10-10: 14
[4].4: 6-8.
[5]. 4 فِيهِ مِبْخَرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ، وَتَابُوتُ الْعَهْدِ مُغَشًّى مِنْ كُلِّ جِهَةٍ بِالذَّهَبِ، الَّذِي فِيهِ قِسْطٌ مِنْ ذَهَبٍ فِيهِ الْمَنُّ، وَعَصَا هَارُونَ الَّتِي أَفْرَخَتْ، وَلَوْحَا الْعَهْدِ. (عبرانيين 9: 4)

























































