أن يكون عيد ميلاد والدة الإله في الثامن من شهر أيلول، أولَ عيدٍ كبيرٍ في السنة الليتورجية التي تبدأ في اليوم الأول من شهر أيلول، وأن يكون عيد رقاد والدة الإله في آخر السنة الليتورجية، في الخامس عشر من شهر آب، لا ينحصر فقط في الترتيب الليتورجيّ، بل له أبعاد خلاصية مهمّة جدًّا، مرتبطة بالخلاص الإلهيّ الذي تمّمه الرب يسوع المسيح بتجسّده وصلبه وقيامته من بين الأموات.
فهذا المسار الوالديّ مع والدة الإله هو مسارٌ قياميّ بامتياز، يبدأ بولادةٍ جديدةٍ بالمسيح، ويصل إلى الرقاد، فعبورٍ مع المسيح إلى الحياة الأبديّة. تقول لنا الكنيسة من خلال الدورة الليتورجية السنوية الكاملة، إنّ من يولد بالمسيح يرقد ولا يموت، بل ينقله الربّ إلى أحضانه السماوية. والأعياد الباقية في السنة، بين هذين العيدين، تجعلنا نعيش خلاص الربّ لنا، ونتغلّب على الصعاب التي تواجهنا في الحياة، وننتصر عليها، كما انتصر يسوع على الصليب وأباد الموت بالموت.
إذا توقّفنا عند لقب «والدة الإله»، الذي حملته مريم العذراء منذ بشارة الملاك جبرائيل لها، وحبلها الإلهي وامتلائها من الروح القدس، لوجدنا أمرين مهمَّين جدًّا:
الأوّل: إنّ الربّ سكن في أحشاء والدة الإله، لكي يعود ويسكن فينا إذا قبلنا خلاصه كما قبلته هي، فيكون لنا حضنًا مقدّسًا، حنونًا، رحيمًا ودافئًا.
والثاني: أصبحت مريم العذراء، بقولها: «هُوَذَا أَنَا أَمَةُ الرَّبِّ. لِيَكُنْ لِي كَقَوْلِكَ» (لوقا 1: 38)، حضنًا ليسوع، وأيضًا حضنًا مقدّسًا لنا.
ونلحظ ذلك بوضوح في مشهد الصليب، حين قال يسوع لأمّه: «يَا امْرَأَةُ، هُوَذَا ابْنُكِ». ثُمَّ قَالَ لِلتِّلْمِيذِ: «هُوَذَا أُمُّكَ». «وَمِنْ تِلْكَ السَّاعَةِ أَخَذَهَا التِّلْمِيذُ إِلَى خَاصَّتِهِ» (يوحنا 19: 26-27).
وهكذا، أصبحت والدة الإله أمًّا لكلّ تلميذٍ حبيبٍ ليسوع، أي لكلّ من أحبّ يسوع، وعاش في محبّته، وعمل بوصاياه.
هذه العلاقة الثالوثية بين الربّ ووالدة الإله، وبين الربّ وبيننا، وبين والدة الإله وبيننا، عنوانها الكبير هو الحُضن الإلهي.
لنتوقّف عند كلمة «الحُضن»، التي تضمّ معاني العناق والاحتواء والحنان والدفء. فالربّ احتضن والدته بالروح القدس، ويحتضننا كأولادٍ له بالنعمة، ووالدة الإله تحتضننا بشفاعتها، ونحن مدعوون بدورنا إلى أن نحتضن بعضنا بعضًا بالمسيح يسوع.
هذه هي المسيحية: الربّ أتى إلينا وتجسّد، وضمّنا إلى صدره، وعانقنا، ويسترنا تحت ستر جناحيه.
من هنا نقول إنّ المسيحية هي هذا الحُضن: حُضن التجسّد الإلهي، وحُضن الافتقاد، وحُضن الفداء على الصليب، وحُضن القيامة المجيدة، وحُضن الصعود الإلهي، إذ أصعد الربّ البشرية معه ومجّدها، وحُضن إرسال يسوع لنا الروح القدس، الذي من عند الآب ينبثق، وحُضن المؤازرة لنا في كلّ عمل صالح نقوم به، ومرافقته إيّانا. وكيف لا يكون كذلك، وهو الذي قال لتلاميذه ولنا جميعًا: «لَا أَتْرُكُكُمْ يَتَامَى» (يوحنّا 14: 18).
في لقاء الربّ يسوع مع الأولاد، نقرأ: «فَاحْتَضَنَهُمْ وَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَيْهِمْ وَبَارَكَهُمْ» (مرقس 10: 16). ويسوع نفسه دعانا لنعود أولادًا ببراءتهم، لكي ندخل ملكوت السماوات، فقال: «اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ لَمْ تَرْجِعُوا وَتَصِيرُوا مِثْلَ الأَوْلاَدِ فَلَنْ تَدْخُلُوا مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ» (متى 18: 3). ومقصده الولادة الجديدة بالروح القدس، كما قال أيضًا لنيقوديمس، المعلّم الفرّيسي: «الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ لَا يُولَدُ مِنْ فَوْقُ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَرَى مَلَكُوتَ اللهِ» (يوحنا 3: 3). فكان جواب نيقوديمس: «كَيْفَ يُمْكِنُ الإِنْسَانَ أَنْ يُولَدَ وَهُوَ شَيْخٌ؟ أَلَعَلَّهُ يَقْدِرُ أَنْ يَدْخُلَ بَطْنَ أُمِّهِ ثَانِيَةً وَيُولَدَ؟». عندها أجاب يسوع: «الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ لَا يُولَدُ مِنَ الْمَاءِ وَالرُّوحِ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَدْخُلَ مَلَكُوتَ اللهِ» (يوحنا 3: 5).
هذا تمامًا ما عاشته والدة الإله؛ فتجسّد منها الربّ. أتى إليها لأنّها متواضعة، كما قالت في نشيدها: «تُعَظِّمُ نَفْسِي الرَّبَّ، وَتَبْتَهِجُ رُوحِي بِاللهِ مُخَلِّصِي، لأَنَّهُ نَظَرَ إِلَى اتِّضَاعِ أَمَتِهِ» (لوقا 1: 46-47).
في الخلاصة، وحده المتواضع يسكن في حضن الربّ، ولا مكان للمستكبرين. ولهذا نطوّب والدة الإله، كما تنبّأت هي نفسها: «فَهُوَذَا مُنْذُ الآنَ جَمِيعُ الأَجْيَالِ تُطَوِّبُنِي» (لوقا 1: 48).
أعطِنا يا ربّ مكانًا في حضنك الدافئ، مع والدة الإله وجميع القديسين والأبرار.
إلى الرب نطلب.






















































