كل التصاريح ال​إيران​ية التي تتمحور حول مُذكّرة التفاهم مع الأميركيّين تؤكّد أنّ وقف النار في ​لبنان​ سيُطبّق، وأنّ قوات الاحتلال ال​إسرائيل​ي ستنسحب. ورهان "​حزب الله​" على هذا الأمر كبير، بعد أن صار في موقع دفاعي دقيق، يعتمد على القتال التراجعي، وعلى إبطاء تقدّم الجيش الإسرائيلي في الجنوب لأطول فترة ممكنة، مع إيقاع أكبر قدر ممكن من الخسائر. فهل سيتوقّف إطلاق النار في لبنان فعلًا، والأهمّ هل سينسحب الإسرائيليّون من القرى والبلدات التي احتلّوها، وهل سيتخلّون عمّا يُسمّونه "حرّية الحركة" ضُد مقاتلي "الحزب"؟

بداية، لا بُدّ من الإشارة إلى أنّ التوافقات التي يجري العمل على تظهيرها بصعوبة بين كلّ من المفاوضين الأميركيّين والإيرانيّين تُشكّل نوعًا من التسوية المرحلية، لتنفيس الاحتقان، ولتقليص حجم الأزمة الاقتصادية - المالية التي تسبّبت بها ارتدادات الحرب ضُدّ إيران على إمدادات النفط العالمي. وكل القضايا العالقة بين الفريقين ستكون محور نقاش متواصل في غُضون شهرين من تاريخ توقيع إطار التفاهم، ما لم تُوجد حاجة لمزيد من الوقت. وبالتالي، التفسيرات المتضاربة وغير الواضحة لبنود ما جرى التوافق عليه في الكواليس، يترك هامشًا واسعًا أمام مناورات التهرّب من الالتزامات والالتفاف على الإجراءات التطبيقيّة، بانتظار بلوغ مرحلة التوقيع الفعلي على اتفاق نهائي واضح المعالم تمامًا. وعلى الرغم من تأكيد الرئيس الأميركي ​دونالد ترامب​ بنفسه أنّ الاتفاق يشمل لبنان وأنّ على إسرائيل و"حزب الله" التوقف عن الهجمات المتبادلة، فإنّ

تفاصيل البند المرتبط بلبنان تحمل الكثير من التأويلات، شأنها شأن تفاصيل العديد من البنود الأخرى التي تُفسّرها كلّ من ​واشنطن​ وطهران على هواها، والتي تتصرّف إسرائيل - حتى تاريخه، وكأنها غير معنيّة بها!

من جهة أخرى، إنّ مصلحة الرئيس الأميركي الاستراتيجية التي تقضي بأن يخرج سريعًا من المُستنقع الذي ورّط نفسه به، تتضارب تمامًا مع مصلحة رئيس الوزراء الإسرائيلي ​بنيامين نتنياهو​. وإذا كان ترامب يسعى لوقف الحرب بأي ثمن، مع السعي لفتح ​مضيق هرمز​ في مقابل رفع الحصار عن إيران في المرحلة الأولى، لإنقاذ واقع حزبه الجمهوري على مشارف ​الانتخابات الأميركية​ النصفية في تشرين الثاني المقبل، فإنّ مستقبل نتنياهو السياسي الشخصي على المحكّ، ومصير حزبه وائتلافه مرتبط بنتائج الحروب التي يخوضها، وبواقع مستوطنات الشمال الإسرائيلي. ولن يقوم نتنياهو بالتالي، بتقديم هدايا مجانية من شأنها إقصائه نهائيًا عن الحياة السياسية، مهما كان حجم الضغوط الممارسة عليه. من هنا، حتى لو جرى الإعلان عن التقيّد بوقف للنار على كل الجبهات، فإنّ الأمور مرهونة بالتطوّرات الميدانية. والأكيد ألا انسحاب من المناطق المحتلة في الجنوب من دون الحُصول على مكاسب مقابلة، لجهة اتخاذ الجيش اللبناني إجراءات ميدانية فعليّة وحاسمة لإخلاء المنطقة من مقاتلي "حزب الله" وسحب أسلحتهم، ومعالجة الأنفاق والبنية التحتية القتالية الموجودة.

إلى ذلك، إنّ مسألة التفاهمات التي ستحلّ معضلة ​الجنوب اللبناني​ مَنوطة بما سينتج مباشرة من ​المفاوضات اللبنانية​ – الإسرائيلية تحت الرعاية الأميركية. وإدارة الرئيس ترامب على دراية تامة أنّ كل الترتيبات الأمنية المنشودة في ما خصّ انسحاب الجيش الإسرائيلي من الجنوب، وانتشار الجيش اللبناني، وفتح الباب أمام عودة الأهالي تدريجًا، يجب أن تمرّ عبر مسار مفاوضات واشنطن، ومُخرجاتها. كما أنّ السُلطة في لبنان مُصرّة على أن يكون استتباب الأمن والاستقرار في الجنوب على يدها، وليس على يد أي فريق خارجي، منعًا لأن يبقى لبنان رهينة المصالح الخارجيّة، ومقايضات إيران وسواها مع العالم الغربي. وبالتالي، يخلق تلاقياً في المصالح بين لبنان وإسرائيل وأميركا بأن يكون حلّ معضلة الجنوب نتاج تفاهمات مباشرة تُعطي المصداقية لبيروت وتل أبيب وواشنطن، وليس لأي جهة أخرى. وهذا يعني عمليًا أن لا انسحاب إسرائيلي تحت الضغط، بل بعد التوصّل لتسويات تضمن التوصّل إلى وقف مُستدام للنار، وعدم الاكتفاء بهدنة مرحليّة، يُمكن أن تنهار في حال تعثّر المفاوضات المفتوحة التي ستخوضها إيران في المرحلة المقبلة.

على خطّ مُواز، إنّ إسرائيل تحرص على الإبقاء على ما تُسمّيه "حرّية الحركة إزاء التهديدات"، وهو ما كان أحد أسباب انفجار الوضع الأمني في الجنوب بشكل واسع اعتبارًا من آذار الماضي، بعد خمسة عشر شهرًا من الخروقات. وبالتالي، حتى لو جرى تطبيق وقف النار الجديد المأمول بشكل فعلي في لبنان، تقيّدًا بالتفاهمات الإقليمية والدَولية، فإنّ انهياره محتمل في أي وقت في حال تعثّر المفاوضات الأميركية – الإيرانية التي ستجري في المستقبل القريب والتي ستتناول تفاصيل القضايا الحسّاسة والصعبة. والأخطر أنّ الجانب الإسرائيلي قد يعمد إلى خرق وقف النار، كما حصل في ​غزّة​، إذ لم تؤمّن الرعايات الدَولية التي واكبت الاتفاق الذي وافقت عليه "حماس" مرغمة أيّ حماية تُذكر للفلسطينيّين، فيما واصل الجيش الإسرائيلي تنفيذ الغارات والضربات على هواه، ومنع العودة إلى المناطق المحتلة وإعادة الإعمار، بحجّة عدم تقيّد "الحركة" ببند نزع السلاح ومُشتقّاته. ويمكن أن يتكرّر "السيناريو" المذكور بحذافيره في لبنان مع "حزب الله"! والغارة على منطقة الغبيري الأحد، والتوتّرات الأمنية والهجمات الصاروخية التي تلتها، أظهرت حزمَ إسرائيل في تقديمها مصالحها على مصالح أميركا، من دون أي خشية من مواجهة إيران عسكريًا كلّما تطلّب الأمر ذلك.

في الخلاصة، الصورة لا تزال ضبابيّة جدًا، ليس بالنسبة إلى مستقبل الجنوب اللبناني فحسب، بل في ما خصّ كامل الواقع الإقليمي. من هنا، إنّ الاحتفالات المُسبقة بما يُعدّه البعض "انتصارات" هي مُجازفة في غير محلّها، قد يؤدّي إلى نتائج سيّئة على لبنان واللبنانيّين، وعلى الجنوب والجنوبيّين بالتحديد!