أعادت الهزة الأرضية التي شعر بها سكان ​مصر​ أخيرًا، بالتزامن مع سلسلة التفجيرات الإسرائيلية الضخمة في جنوب ​لبنان​، فتح باب التساؤلات حول ما إذا كانت هذه الانفجارات قادرة على التأثير في الفوالق الزلزالية أو حتى التسبب بهزات أرضية. ومع انتشار تكهنات على مواقع التواصل الاجتماعي تربط بين الحدثين، يوضح خبراء ​الزلازل​ أن الواقع العلمي أكثر تعقيدًا، وأن التفجيرات، رغم قدرتها على توليد موجات زلزاليّة تُرصد بالأجهزة، تختلف جذريًا عن الزلازل الطبيعية من حيث الأسباب والآثار. لكنهم يشيرون في الوقت نفسه إلى أن استمرار التفجيرات العنيفة يستوجب المراقبة الدقيقة لما قد تسببه من تغيّر في الضغوط الواقعة على ​الفوالق النشطة​.

وفي هذا السياق، أوضح رئيس المركز اللبناني للجيوفيزياء الدكتور ​طوني نمر​ أن "ما حصل في مصر منفصل بالكامل عما يجري في لبنان، كما أنه غير مرتبط بحركة فالق ​البحر الميت​"، مشددًا على أن لكل منطقة نظامها التكتوني الخاص.

وأضاف أن الاهتمام العلمي انصبّ بعد التفجيرات الإسرائيلية الكبرى على مراقبة سلوك الفوالق اللبنانية، موضحًا: "كنا نتخوّف من تأثير التفجيرات، لذلك تابعنا بدقة ما حصل بعد الهزة التي شعر بها السكان إثر الانفجارات الكبيرة. قمنا بمراقبة حركة الفالق، ومن حسن الحظ أنها لم تتغير، لكن ما تغيّر هو مستوى الضغوط الواقعة عليه، وهذا عامل يجب مراقبته لأنه قد يكون له تأثير مستقبلي".

وأشار نمر إلى أن الموجات الزلزالية الناتجة عن الانفجارات كانت قوية بما يكفي لتسجيلها بوضوح على أجهزة الرصد، وقال: "الهزة التي حصلت في الجنوب شعر بها السكان، وسجلتها محطات الرصد لدينا، كما أن الإشارات الزلزالية تعبر الحدود وتُسجل أيضًا لدى المحطات الإسرائيلية".

وشدد على ضرورة التمييز بين الموجات الزلزالية الناتجة عن الانفجارات وبين الزلازل الطبيعية، موضحًا أن "التفجير يطلق طاقة تولد اهتزازات تنتشر في الأرض، لكن هذا لا يعني أنه تسبب بزلزال أو أنه قادر في حد ذاته على تحريك فالق رئيسي".

وفي معرض الرد على الربط بين هزة مصر والتفجيرات في لبنان، أكد نمر أن "ما حصل في مصر ليس مرتبطًا إطلاقًا بما حصل في لبنان، فالفالق الذي شهد النشاط هناك يرتبط بالمنطقة المحيطة ب​قناة السويس​، وهو يختلف جيولوجيًا عن فالق البحر الميت الذي يُعد الفالق الرئيسي المؤثر في لبنان".

من جهتها، أوضحت الباحثة ​مارلين البراكس​ أن "كل تفجير كبير تقوم به إسرائيل يولّد موجات زلزالية تنتشر في باطن الأرض، وقد رصدنا هذه الموجات بوضوح بعد الانفجارات الأخيرة".

وأضافت أن "كلما ازدادت قوة التفجير، ازدادت المسافة التي تقطعها الموجات داخل الأرض، والتفجير الأخير كانت قوته كبيرة إلى درجة أن محطات الرصد في شمال لبنان سجلته بوضوح، لكن الحمد لله لم يعقبه أي نشاط زلزالي".

ولفتت إلى أن محطات الرصد وثقت خلال الفترة الماضية عددًا من الانفجارات الكبيرة، من بينها تفجيرات القنطرة، والعديسة، ومجدل زون، مؤكدة أن جميعها تركت بصمات واضحة على أجهزة الرصد الزلزالي.

ويشير خبراء الجيوفيزياء إلى أن هذه التسجيلات لا تعني بالضرورة أن الانفجارات ستؤدي إلى زلزال، لكنها توفر بيانات علمية مهمة تساعد في فهم كيفية انتقال الطاقة داخل القشرة الأرضية، كما تسمح بمراقبة أي تغيرات قد تطرأ على الضغوط الواقعة على الفوالق النشطة، خصوصًا في منطقة تقع أصلًا على واحد من أكثر الأحزمة الزلزالية نشاطًا في ​الشرق الأوسط​.

وبينما يستبعد الخبراء وجود أي علاقة علمية بين هزة مصر والتفجيرات في جنوب لبنان، فإنهم يؤكدون أن استمرار الانفجارات الضخمة يفرض مواصلة الرصد الدقيق للفوالق النشطة، ليس لأن الزلزال أصبح وشيكًا، بل لأن مراقبة أي تغير في الضغوط الجيولوجية تبقى جزءًا أساسيًا من العمل العلمي. وفي ظل كثرة الشائعات، تبقى البيانات الصادرة عن مراكز الرصد والخبراء المرجع الوحيد لفهم حقيقة ما يجري تحت سطح الأرض، بعيدًا عن التهويل أو التقليل من المخاطر.