افتتح نائب رئيس المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى العلامة الشيخ علي الخطيب، بعد ظهر اليوم، مجالس عاشوراء المشتركة بين المجلس الشيعي و"الجمعية العاملية" في مقر الجمعية في رأس النبع، بكلمة تناول فيها معاني عاشوراء، والاوضاع العامة في لبنان والمنطقة .
وأمل الخطيب في كلمته ان "تطوى هذه المرحلة بأخطائها الخطيرة والكثيرة، لتبدأ السلطة اللبنانية مرحلة جديدة مع شعبها وابنائها لإرساء نهج جديد من التعاطي، يأخذ فيه لبنان الموقع الذي يستحق بدءا من انسحاب العدو ومسيرة الاعمار وعودة النازحين والاسرى".
واشار الخطيب الى انه "مع اطلالة سنة هجرية جديدة على مهاجرها وله افضل التحية والسلام، وكما درجت العادة نفتتحها باحتفال الشهادة وذكرى كربلاء ذكرى شهادة سبط رسول الله وال بيته وانصاره، حيث وان خصصت هذه الذكرى باقامة مآتم العزاء في العشرة الاولى من شهر محرم الحرام تبدأ في اليوم الاول منه وتنتهي رسميا باليوم العاشر منه، ومنها سميت بعاشوراء الا ان المؤمنين يستمرون في اقامة هذه المراسم الى العشرين من شهر صفر، يعبرون فيها عن مظاهر الحزن ويلبسون فيها السواد ويمتنعون عن اقامة حفلات الافراح بما فيها حفلات عقود الزواج، تعبيرا عما تحتله هذه الذكرى من موقع عزيز في قلوبهم وعقولهم وارواحهم فهو سبط نبيهم، وابن وليهم امير المؤمنين، وهو ابن فاطمة الزهراء، كما انه الامام الثالث من ائمتهم وائمة المسلمين. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى لوصية نبيهم وائمتهم في التركيز على احياء هذه الذكرى وابراز مظاهر الحزن التي هي تعبير عملي عن المودة لهم كما امر الله تعالى المؤمنين فقال: قل لا اسألكم عليه اجرا الا المودة في القربى كما ورد عن ائمة اهل البيت ان نحزن لحزنهم ونفرح لفرحهم وان نحيي امرهم، احيوا أمرنا رحم الله من احيا امرنا، فهم الرحمة الالهية وهم امتداد للرحمة المهداة لهذه الامة وهو جدهم رسول الله وهي عامة لائمة اهل البيت ولكن التركيز منهم كان على احياء ذكرى شهادة الامام الحسين، وقد مارسوها بأنفسهم وعقدوا مجالس الحزن في بيوتهم ودعوا اليها الشعراء والادباء تعبيرا عن احيائها كقضية مركزية لحفظ الاسلام في مواجهة خط الانحراف والتزييف الذي عُمل على تعزيزه من داخل الاسلام باسم الاسلام".
اضاف: "نحن حين نحيي اليوم هذه الذكرى فإننا نحيي الاسلام وقيمه الدينية والاخلاقية ونؤكد على نهج ائمة اهل البيت الذي يضمن بقاء الاسلام ويحميه من ان تتناوله يد التحريف، أو ان تستثمره اهواء اصحاب المطامع، أو ان يتحول الى اداة للافساد أوغطاء شرعي للمفسدين، في عملية انقلاب على المفاهيم تناقض أهدافه وتحوله الى سيف مسلط بيد الظالمين على رقاب المظلومين والمستضعفين، الذين يطلبون الانصاف والعدالة واحقاق الحق ويكون ذلك الإنحراف حين يعطى ولي الامر القداسة ويجعل معيارا لمعرفة الحق وتصبح معرفة الحق بالرجال بدلا من معرفة الرجال بالحق، كما يقول امير المؤمنين علي ابن ابي طالب، (لا يعرف الحق بالرجال بل يعرف الرجال بالحق اعرف الحق تعرف اهله) لقد استبدلت المقاييس حين اريد تضييع الحقائق واستخدم التلبيس على الناس حتى يسهل سوقهم".
وتابع: "لقد شكل هذا الامر محور الصراع في التاريخ الاسلامي اخذ فيه اهل البيت مهمة المواجهة، ودفعوا فيها اغلى الاثمان، التي بدأت بالتحمل والصبر ولم تنته بالثورة والشهادة حتى يبقى فيه للاسلام نقاؤه ويكتب لمهمته الدوام. وشكلت ثورة الامام الحسين ذروة هذه الحلقات حين رأى النظام الحاكم ان هناك عقبات تقف حجر عثرة امام التحول الذي يريد احداثه في وظيفة وشكل واهداف هذا النظام، عليه بتطويعها بالاساليب المناسبة لها إما بإرهاب تلك العقبات أو تخويفها لمن يخاف فيخضع أو بإغرائها بالمناصب والمواقع والمال، وما أكثر هؤلاء الذين يضعفون امام التهديد والاغراء فيبيعون دينهم وضمائرهم ، فيتم اسكاتهم او تحويلهم الى ازلام للنظام الحاكم، فينخرطون في العمل لخدمة أهدافه ، واخطر هؤلاء في الانظمة التي تحكم باسم الدين من له صبغة دينية ويتكلم باسم الدين لإضفاء الشرعية الدينية على نفسه وتصرفاته وسلخها عن المعارضين له، وتبرير ملاحقتهم وتصفيتهم باسم الدين".
واردف: "إلا ان المشكلة الكبرى امام النظام وجود شخصيات لها موقعها الديني والاجتماعي والمعنوي المؤثر غير القابلة للاخضاع وعلى رأسها واهمها على الاطلاق في ذلك الزمن الامام الحسين، فهو ابن بنت رسول الله وهو الشخصية المعروفة وغير المجهولة لدى المسلمين ، أضف الى ذلك ان اتفاق الصلح الذي عقده الامام الحسن مع معاوية نص صراحة على من يتولي الخلافة من بعده وهو الامام الحسن ثم الامام الحسين، لذلك كان التركيز على اخذ البيعة من الاشخاص ذوي التأثير في المجتمع ممن تعتبر معارضتهم لتولي يزيد الخلافة خطرا وعقبة امام بلوغ هذا الهدف، وتعتبر موافقتهم ضرورية لاضفاء الشرعية على هذا الاجراء وعلى رأسهم واخطرهم الامام الحسين، لذلك كان التركيز على المبادرة بأخذ البيعة من الامام الحسين وتهديده بالقتل ان لم يستجب ويبايع والخطورة في هذه المبايعة لم تكن ظرفية ومؤقتة وتنتهي بانتهاء الشخص بل في المواصفات التي يتمتع بها الخليفة، اضافة الى انها مبايعة لنظام ونهج وانقلاب على القيم الرسالية التي سعى الاسلام الى تثبيتها وترسيخها".
وقال: "من أهم أهداف الإنقلاب الاموي تحويل النظام الى وراثي قبلي والغاء كل الانجازات التاريخية في الوعي والثقافة والفكر والاجتماع السياسي والانساني والرقي بالمجتمع العالمي والإنساني، فالاسلام رسالة عالمية ذات ابعاد انسانية واخلاقية وروحية لا يمكن للامام الحسين الذي يحمل هذه الامانة الالهية والمسؤولية التاريخية بهذا البعد والعمق ان يفرط بها مهما كانت الاثمان، وقد اداها بكل ثقة ورضى لا لكونها ارثا عائليا او قبليا كما حاول النظام تسويق روايته المضللة والتشويهية المنحرفة وتصوير الصراع أنه صراع على الحكم والسلطة بل صراع بين تصورين ونهجين متعارضين ينفي احدهما الآخر، ويمثل احدهما الصورة المتخلفة والمعاندة المتمسكة بالقيم الجاهلية الرافضة والمعاندة لتحرير المجتمع العربي والإسلامي من واقعه المتخلف فكريا وانسانيا المحبوس ضمن نطاقه الجغرافي اللاحضاري الضيق الى افق اكثر تقدما ثقافة وفكرا ومبادىء حضارية تمثل رسالة الهية وانسانية عالمية". قال تعالى: الر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (إبراهيم).
اضاف: "لقد اريد من التأكيد على ديمومة الاحياء لهذه المناسبة احياء هذه الرسالة ومعانيها ومبادئها الحضارية، والتمسك بها والعمل على تطبيقها، ليس من باب احيائها كواقعة تاريخية يراد منها ابراز الجانب المأساوي والاثارة العاطفية فحسب ، بل كمدرسة تعمق الارتباط بالمبادىء والقيم الرسالية والايمانية التي استشهد الامام الحسين واهل بيته وانصاره من اجلها ورسمت نهجا تاريخيا مستمرا مع استمرار الحياة ، تستلهمه الاجيال لمواجهة النهج الجاهلي المتجدد بصور مختلفة على مدى الزمان والمكان فهي الرسالة الخاتمة للرسالات التي شكلت الخطاب الالهي النهائي للبشرية السائرة خبط عشواء لا تهتدي الى الحق سبيلا، وهي النور الهادي للإنسانية وسط جاهلية الظلام المتجددة بعناوین براقة لا تمت الى حقيقتها بصلة مما جعل العالم يفقد مع الجاهلية الحديثة استقراره وسلامه المنشود".
وتابع: "ان وظيفة عاشوراء الدائمة هي اثارة الوعي وفضح التضليل الذي تحسن الجاهلية الحديثة توظيفه في وجه رسالة الحق والهدى مما يثير في الشعوب المظلومة والمقهورة كوامنها لتثأر لنفسها من دعاة الظلم والقهر مستلهمة من نهج كربلاء ومدرستها قيم الشهادة والتضحية كمبادىء سامية لنيل الحرية والكرامة الضائعة بفعل الجاهليات المتجددة تحت عناوين مضللة كالتقدم وحقوق الانسان وهي في الحقيقة تمتهن هذه الحرية والكرامة وتدوسها بسلاسل التها الحربية الثقيلة الهائلة والمخيفة وأسلحتها الناعمة".
واردف: "ايها الاخوة، نحن نحيي ومنذ ثلاثة اعوام عاشوراء حقيقية وكربلاء متجددة ، في وجه هذه الجاهلية التي شنت حربها المفتوحة على أمتنا في لبنان جنوبا وبقاعا وضاحية وفي غزة والضفة وايران، مما جعلنا نتسلح بالمقابل بقيم كربلاء وبطولاتها وعنفوانها في وجه الخط اليزيدي الصهيوني العالمي، واستطاعت بفضل ايمانها العميق وارتباطها بالنهج الحسيني وشجاعتها وتضحياتها ان تعيد لكربلاء القها على طريق تحقيق اهدافها الحضارية وان تبعث للعالم برسالة امل جديدة لتحريره من هذه العبودية الجديدة وان تنزل الفرعونية الجديدة المتمثلة بالولايات المتحدة الامريكية والمعسكر الغربي عن عرشه، وان تثبت للعالم انها ليست قدرا للعالم لا يمكن مواجهته، فقد اذلت الطاغوتية الجديدة اليوم أيما اذلال بفعل القيادة الحكيمة والشجاعة المحور المقاومة بقيادة الجمهورية الاسلامية الايرانية التي لم تجبن ولم تهن امام التهديدات ووقفت حتى الشهادة امام الآلة الحربية الهائلة والجبارة واجبرتها على وقف العدوان منتصرة للأمة وللبنان بحيث اجبرت الولايات المتحدة الأمريكية على الالتزام باجبار العدو على وقف الحرب والانسحاب من جنوب لبنان فيما يحاول اليوم العدو الصهيوني ان يتملص منه ولكنه ليس الا كالحركة التي تصدر من المذبوح وهو ينازع. وهنا احيي روح العظمة التي يتمتع بها شعبنا واخلاقيته العالية وقدرته الهائلة التي مكنته من استيعاب كل الضغوط الداخلية الهائلة، في الوقت الذي كانت مدنه وقراه تتعرض للتدمير والتجريف وابناؤه للقتل والابادة هذا فضلا عن التهجير والنزوح".
وختم: "لقد جسدتم بتضحياتكم قيم الاسلام ومعاني كربلاء ومدرستها وقيمها فأحييتم حقا رسالة كربلاء واظهرتم بالعمل والممارسة عظمة كربلاء و أهمية إحياء مجالس عاشوراء وعلى السلطة اللبنانية ان تدرك بعد كل هذا قيمة هذا الكنز الذي تمثلونه للبنان والقوة التي يملكها بكم لبنان، فمن لديه هذه الثروة لا يجوز ان يخاف او يجبن او يعطي للعدو يد الذلة، وبعد كل هذا الوفاء من الجمهورية الاسلامية للبنان دولة وشعبا كان الأحرى بالسلطة ان توجه الشكر وتعترف بجميل العرفان بالصوت المدوي وليس بالايماء من طرف خفي. ونأمل ان تطوى هذه المرحلة بأخطائها الخطيرة والكثيرة لتبدأ السلطة مرحلة جديدة مع شعبها وابنائها لإرساء نهج جديد من التعاطي يأخذ فيه لبنان الموقع الذي يستحق بدءا من انسحاب العدو ومسيرة الاعمار وعودة النازحين والاسرى".
بعد ذلك، تلا المقرئ الدكتور عباس فتوني مجلس العزاء الحسيني، مركزا على اهمية الاشهر الحرم في تاريخ الاسلام.

















































