رسالة البابا الأولى تكشف أعماق اختياره اسم ليو/لاوون الرابع عشر.
حين يختار البابا الجديد اسمًا له، لا يختار مجرّد علامة شخصية أو لقب تاريخي. فالاسم البابوي، في تقليد الكنيسة، غالبًا ما يكون إعلانًا صامتًا عن اتجاه الحبرية الجديدة، وقراءة للزمن، واستحضارًا لذاكرة كنسية يريد البابا أن يواصلها أو يفعّلها في ظرف جديد. لذلك لا يمكن المرور سريعًا على اختيار البابا ليو الرابع عشر اسم «ليو» أو «لاوون»، لأن هذا الاسم يعيدنا مباشرة إلى أحد أهم بابوات العصر الحديث: البابا ليو الثالث عشر.
انتُخب ليو الثالث عشر سنة 1878، في مرحلة شديدة الاضطراب. كانت الكنيسة قد خرجت من صدمة سقوط الدولة البابوية واحتلال روما سنة 1870. وكان سلفه، البابا بيوس التاسع، قد علّق المجمع الفاتيكاني الأول بعد إعلان عقيدة العصمة البابوية في قضايا الإيمان والأخلاق عندما يعلّم البابا رسميًا من كرسيه الرسولي. في تلك اللحظة، وجد البابا الجديد نفسه أمام كنيسة فقدت كثيرًا من سلطتها الزمنية، لكنها كانت مدعوة إلى أن تستعيد قوّتها الروحية والفكرية والأخلاقية.
لم تكن أوروبا يومذاك هادئة. القوميات الحديثة كانت تصعد، الدولة العلمانية كانت تتقدّم، الصراع بين الكنيسة والملوك من جهة، والدول القومية والجمهوريات من جهة أخرى، كان مشتعلًا بخاصة حول منطلق سلطة الحاكم، هل هي من الله أم من الشعب؟ ولا سيما في إيطاليا وألمانيا وفرنسا. في ألمانيا، عرفت الكنيسة ما سُمّي «حرب الثقافة» في عهد بسمارك. وفي فرنسا وإيطاليا، كانت التيارات المعادية للكنيسة تزداد نفوذًا. كما كانت الماسونية، في أكثر من بلد أوروبي، حاضرة بقوة في النزاع مع البابوية، لا بوصفها تفصيلًا اجتماعيًا فحسب، بل كحركة فكرية وسياسية رأى فيها ليو الثالث عشر خطرًا على الإيمان والنظام الأخلاقي المسيحي. لذلك أصدر سنة 1884 رسالته الشهيرةHumanum Genus، التي أدان فيها المبادئ الماسونية كما فهمها في زمانه، واعتبرها مناقضة للتعليم الكاثوليكي.
غير أن عظمة ليو الثالث عشر لا تكمن فقط في رفضه لما رآه خطرًا على الكنيسة، بل في قدرته على تقديم جواب إيجابي للعالم الحديث. لم يكتفِ بالدفاع، بل بادر إلى البناء. هنا تبرز رسالته الكبرى Rerum Novarum، الصادرة سنة 1891، والتي تُعدّ بداية التعليم الاجتماعي الكاثوليكي الحديث. ففي قلب الثورة الصناعية الأولى، رأى البابا أن العامل لم يعد يُعامَل دائمًا كإنسان، بل كأداة إنتاج. ورأى أن الرأسمالية غير المنضبطة قادرة على سحق الفقراء، وأن الاشتراكية الملحدة قد تستغل وجع العمال لتفصلهم عن الإيمان. لذلك اختار طريقًا ثالثًا: الدفاع عن كرامة العامل، والأجر العادل، وحق التنظيم، وواجب الدولة في حماية الضعفاء، وحق الملكية شرط ألّا ينفصل عن الخير العام.
بهذا المعنى، كان ليو الثالث عشر محافظًا في العقيدة، لكنه لم يكن جامدًا أمام العصر. كان يدرك أن الكنيسة إذا انسحبت من المسألة الاجتماعية، تركت الإنسان بين فكي رأسمالية بلا ضمير وثورة بلا إيمان. لذلك حاول أن يردّ على الحداثة لا بالانغلاق، بل بعقل كنسي قادر على التمييز. ومن هنا أيضًا إحياؤه للفكر التومائي، أي لفلسفة القديس توما الأقويني، بوصفها جسرًا بين الإيمان والعقل، وبين الوحي والفكر الفلسفي، وبين الكنيسة والأسئلة الجديدة.
من هذا المنظار نفهم لماذا اختار البابا ليو الرابع عشر هذا الاسم. فالزمن تغيّر، لكن السؤال لم يتغيّر في جوهره: كيف نحمي الإنسان حين تتحوّل أدوات التقدّم إلى قوى قد تسحقه؟ في زمن ليو الثالث عشر، كان التحدي هو الثورة الصناعية، واستغلال العمال، وصعود الأيديولوجيات الكبرى. أما اليوم، فالتحدي هو الثورة الرقمية، والذكاء الاصطناعي، وتركيز الثروة والمعرفة والقدرة التقنية في أيدي قلّة، وتحويل الإنسان مرة أخرى إلى رقم، أو بيانات، أو مستهلك، أو كائن قابل للتوجيه والتحكم.
لذلك يحمل اسم ليو الرابع عشر معنًى برنامجيًا واضحًا. إنه يقول إن الكنيسة مدعوة اليوم إلى أن تفعل أمام الذكاء الاصطناعي وما يرافقه من تحولات ما فعله ليو الثالث عشر أمام الثورة الصناعية: أن ترفع صوتها لا ضد التقدّم بحد ذاته، بل ضد التقدّم الذي ينسى الإنسان؛ لا ضد العلم حصرّا، بل ضد العلم حين ينفصل عن الضمير؛ لا ضد الاقتصاد بالمطلق، بل ضد الاقتصاد حين يصبح الإنسان خادمًا للسوق بدل أن تكون السوق في خدمة الإنسان.
وهنا يلتقي اسم ليو الرابع عشر مع الحاجة الملحّة إلى تعليم اجتماعي جديد، لا يكتفي بتكرار مبادئ الماضي، بل يطبّقها على أسئلة الحاضر: كرامة العامل في زمن الآلة الذكية، حرية الإنسان في زمن الخوارزميات، الحقيقة في زمن التلاعب الإعلامي، العدالة في زمن العولمة غير المتوازنة، والسلام في عالم تزداد فيه القدرة التقنية على القتل والتدمير.
كما أن اختيار اسم ليو لا ينفصل عن سؤال الشرق والأرض المقدسة. فالكنيسة التي دافعت عن كرامة العامل لا تستطيع أن تصمت أمام كرامة الشعوب. وإذا كان ليو الثالث عشر قد واجه أزمة أوروبا الصناعية والسياسية، فإن ليو الرابع عشر يجد نفسه أمام عالم تتكاثر فيه الحروب، وتُهان فيه الشعوب الصغيرة، وتتحوّل الأرض المقدسة إلى جرح مفتوح في ضمير الإنسانية. لذلك فاسم ليو ليس عودة إلى الماضي، بل استدعاء لذاكرة قادرة على إضاءة الحاضر.
إننا، إذن، لا نقف أمام اسم بابوي عادي. نحن أمام إشارة لاهوتية واجتماعية وتاريخية. ليو الثالث عشر واجه «الأشياء الجديدة» في عصره، أي (Rerum Novarum)، ألثورة الصناعية والمسألة العمالية. وقداسة البابا ليو الرابع عشر يبدو مدعوًا إلى مواجهة «الأشياء الجديدة» في عصرنا: الذكاء الاصطناعي، اللامساواة العالمية، أزمة العمل، انهيار الحقيقة، قتل القدوَة، واستباحة كرامة الأبوة والأمومة والطفولة والحياة في الإنسان والشعوب
لهذا اختار اسم "ليو". لا لكي يكرّر ليو الثالث عشر، بل لكي يكمّل رسالته في زمن آخر. فكما احتاج القرن التاسع عشر إلى بابا يرى العامل إنسانًا لا آلة، يحتاج القرن الحادي والعشرون إلى بابا يذكّر العالم بأن الإنسان ليس مادة للبيانات، ولا وظيفة في السوق، ولا رقمًا في الحرب، بل وجهٌ مخلوق للحب، وكرامة لا يجوز لأي ثورة، صناعية كانت أم رقمية، أن تسحقها.
ملاحظة
استعنت بـ "الذكاء الافتراضي"، واستندتُ في ضبط الإطار التاريخي واللاهوتي إلى تصريحات الفاتيكان الرسمية: البابا ليو الرابع عشر قال إن اختياره للاسم يرتبط خصوصًا بليو الثالث عشر وبـ Rerum Novarum في سياق الثورة الصناعية الأولى، وربط ذلك بالحاجة اليوم إلى مواجهة الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي. كما أن وثائق الفاتيكان تضع Rerum Novarum في إطار مسألة العمل ورأس المال، وHumanum Genus في إطار موقف ليو الثالث عشر من الماسونية وكل ما يتصل بتعاليمها من ثقافة الفردانية وحرمة الحياةVatican.va)).
*مؤسّس اللاهوت الرازائي وصاحب أطروحة الخلق من الحب وليس من العدم كجسر منير بين العلم والدين