في الوقت الذي تتسارع فيه الاتصالات السياسية والدبلوماسية للوصول إلى تفاهم يضع حداً للحرب الدائرة، اختارت إسرائيل الذهاب نحو تصعيد واسع النطاق، عبر تكثيف الغارات ورفع مستوى الاستهداف وتوسيع دائرة المجازر. هذا التصعيد يرتبط بمجموعة من العوامل السياسية والعسكرية التي تتحكم بسلوك القيادة الإسرائيلية في هذه المرحلة الحساسة.
أول هذه العوامل يتمثل في السعي الإسرائيلي الواضح إلى عرقلة أي اتفاق يجري العمل عليه حالياً. فتل أبيب تدرك أن المناخ السياسي الدولي بدأ يميل نحو البحث عن مخرج للحرب، وأن الإدارة الأميركية باتت أكثر اهتماماً بإغلاق هذا الملف بعدما تحول إلى عبء سياسي وأمني واقتصادي متزايد. من هنا تحاول إسرائيل رفع منسوب النار إلى أقصى حد ممكن، على أمل تعديل الشروط أو تحسين موقعها التفاوضي أو فرض وقائع جديدة على الأرض قبل الوصول إلى أيّ تفاهم. لكن هذا المسار، وإن كان قادراً على تأخير بعض الخطوات أو تعقيدها، لا يبدو كفيلاً بإسقاط الاتفاق إذا كان القرار الأميركي قد اتخذ فعلاً بالمضي فيه.
أما العامل الثاني، والأكثر ارتباطاً بالميدان، فيكمن في حجم الخسائر التي تكبدها الجيش الإسرائيلي خلال الساعات الماضية. فالمعارك الأخيرة حملت مشاهد غير مألوفة بالنسبة للمؤسسة العسكرية الإسرائيلية، سواء من حيث عدد القتلى والجرحى أو من حيث طبيعة العمليات التي استهدفت الجنود بشكل مباشر. وفي كل مرة يتلقى فيها الجيش الإسرائيلي ضربات مؤلمة، تلجأ القيادة السياسية والعسكرية إلى سياسة الانتقام الجماعي عبر تكثيف القصف واستهداف المدنيين والبنى التحتية، في محاولة للتغطية على الفشل الميداني وإظهار صورة القوة أمام الرأي العام الداخلي.
غير أن العامل الثالث قد يكون الأكثر تأثيراً في هذه اللحظة، وهو مرتبط بشخص بنيامين نتانياهو نفسه. فالرجل الذي خاض الحرب باعتبارها معركة وجود سياسي شخصي، بدأ يشعر أكثر من أي وقت مضى بأن البيئة الدولية التي وفرت له الغطاء طوال الأشهر الماضية لم تعد على حالها. التصريحات الأخيرة الصادرة عن الرئيس الأميركي ونائبه حملت إشارات واضحة، ومفادها أن واشنطن تستعد للانتقال إلى مرحلة مختلفة عنوانها إنهاء الحرب وليس إدارتها. وهذا التحول يضع نتانياهو أمام احتمال أن يتحول إلى المسؤول الأول عن الإخفاقات المتراكمة، وأن يُقدَّم بوصفه صاحب القرار الذي أطال أمد الحرب وعطّل الحلول وأوصل إسرائيل إلى خسائر سياسية وعسكرية واستراتيجية غير مسبوقة.
واخيرا العامل الرابع، ولو اقل تأثيرا، هو اقتراب جلسة التفاوض المباشر بين لبنان وإسرائيل في واشنطن مطلع الاسبوع المقبل، حيث تعمد إسرائيل للتصعيد قبل كل جولة تفاوض.
من هنا يمكن فهم حالة الاندفاع التي تحكم سلوك الحكومة الإسرائيلية اليوم. فالتصعيد لا يعكس الثقة بقدر ما يعكس القلق، ولا يدل على امتلاك خيارات إضافية بقدر ما يكشف ضيق الخيارات المتاحة. وكلما اقتربت لحظة الحسم السياسي، تزداد الحاجة الإسرائيلية إلى استخدام القوة المفرطة أملاً في تغيير المشهد أو تأجيل الاستحقاقات المقبلة.
لكن المعطيات المتوافرة تشير إلى أن المنطقة دخلت فعلاً مرحلة العد العكسي نحو ترتيبات جديدة. صحيح أن الأيام المقبلة قد تشهد وقد لا تشهد ارتفاعاً إضافياً في مستوى العنف الا انها ستعرف محاولات إسرائيلية متكررة لخلط الأوراق، إلا أن الاتجاه العام يبدو نحو تثبيت تفاهمات تتجاوز الميدان اللبناني إلى ترتيبات أوسع ترتبط بالتفاهمات الإقليمية والدولية الجارية.
وعليه، فإن المرحلة الحالية قد تكون من أكثر مراحل الحرب خطورة، لأنها قد تسبق مباشرة لحظة الانتقال نحو التسوية ولو بالنار. وفي مثل هذه المراحل غالباً ما تلجأ الأطراف التي تشعر بأنها تخسر سياسياً إلى رفع مستوى التصعيد العسكري إلى الحد الأقصى، في محاولة أخيرة لتحسين شروط الخروج من الحرب أو لتجنب دفع أثمانها السياسية لاحقاً.