على وقع التحولات الكبرى التي أفرزتها الحرب الأخيرة على الجبهة اللبنانية، لا سيما عقب توقيع مذكرة التفاهم الأميركية-الإيرانية، عاد الحديث بقوة عن مصير قوات الطوارئ الدولية العاملة في جنوب لبنان "اليونيفيل" التي تنتهي مهمتها مطلع عام 2027، في ظل تحرّك أوروبي يهدف إلى الإبقاء على قوة دولية في المرحلة المقبلة، كانت معالمه قد بدأت تتّضح منذ أشهر.
في هذا السياق، كان هذا الملف العنوانَ الأبرز في الاتصال الهاتفي الذي جمع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون برئيس الجمهورية العماد جوزاف عون أول من أمس، إذ أبلغ ماكرون نظيره عونَ بعزمه إجراء اتصالات مع عدد من الدول لاستجلاء مواقفها. وكانت دول أوروبية عدة قد أعلنت رغبتها في الإبقاء على هذا الحضور، وهو ما أبدى أمين عام الأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش موافقته عليه قبل فترة وجيزة.
وعلى الصعيد اللبناني، ثمة ترحيب واسع بهذا التوجه، خصوصاً أن بيروت لم تكن أصلاً راغبة في تحديد سقف زمني لإنهاء عمل "اليونيفيل"، خلافاً للموقف الإسرائيلي المدعوم أميركياً. وقد أشار إلى ذلك رئيس مجلس النواب نبيه بري قبل أيام، مشدداً على أهمية استمرار "اليونيفيل" وفق ولايتها المنصوص عليها في القرار 1701، ومؤكداً ضرورة بقائها حتى التطبيق الكامل للقرار ومساندة الجيش في مهمة الانتشار على الحدود الدولية.
وبحسب مصادر مطّلعة، فإن هذه المهمة لن تكون يسيرة البتّة، كونها مرتبطة بموقفَي واشنطن وتل أبيب اللتَين تسعيان بوضوح إلى آليات عمل مغايرة تقوم على التنسيق المباشر بين الجانبَين اللبناني والإسرائيلي برعاية أميركية، وهو الهدف الرئيس من مسار المفاوضات المباشرة الراهنة.
وتشير هذه المصادر عبر "النشرة" إلى أن الحسم في التوجهات غير ممكن في الوقت الراهن، كون الوضع على الجبهة الجنوبية لا يزال خاضعاً لتجاذبات كثيرة، في ظل مسارات متعددة تتناول مستقبلها تبدأ بالمفاوضات الأميركية-الإيرانية ولا تنتهي عند المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية، وتشمل أيضاً مشاورات تدخل عليها أفرقاء إقليمية فاعلة عديدة.
وفي حين برزت في الفترة الماضية محاولات أميركية وإسرائيلية لإقصاء الجانب الأوروبي، ولا سيما الفرنسي، عن هذا الملف، لا يمكن إغفال ثقل الدور الذي قد يضطلع به ماكرون، خصوصاً أن باريس اشتُهرت بأنها "القلم الذي يصوغ القرارات الدولية المتعلقة بلبنان". غير أن المهمة بالغة الصعوبة.
وفي قراءة مصادر نيابية متابعة، سيتعيّن على الجانب الفرنسي ومن يدعمه من قوى دولية وإقليمية أن يعمل أولاً على إقناع واشنطن بجدوى الإبقاء على قوة دولية في الجنوب، كون الولايات المتحدة تملك حق النقض "الفيتو" في مجلس الأمن ولا يمكن لأي قرار أن يمر دون موافقتها. ويبقى السؤال المحوري في رأي هذه المصادر: ما الآلية التي ستعمل بها أي قوة دولية في الجنوب بعد انتهاء ولاية "اليونيفيل" إن تعذّر تمديدها؟
وتذهب هذه المصادر إلى أن المسألة لا تتوقف عند حدود الوجود، بل تمتد إلى طبيعة المهمة الملقاة على عاتق أيّ قوة مقبلة، وهو ما لا يمكن فصله عن التفاهمات التي ستحكم واقع الجبهة الجنوبية مستقبلاً، المرتبط بدوره بمآلات النقاشات الدائرة بين واشنطن وطهران، وما ستطرحه تل أبيب من مطالب، دون إغفال الخطوط الحمراء التي طالما أعلن عنها "حزب الله".
في المحصّلة، تلفت المصادر ذاتها إلى أن الرغبة الأوروبية الواضحة، ولا سيما من الجانب الفرنسي، لا تنفصل عن مصالح مباشرة في الحفاظ على الحضور والدور في هذه المنطقة، مشيرةً إلى أن ذلك لا يتعارض مع المصلحة اللبنانية القائمة على ضرورة تنويع الرعاية الدولية وعدم حصرها بالحضور الأميركي الذي، رغم خلافاته الراهنة مع إسرائيل، لن يكون وسيطاً محايداً في أي مسألة تكون فيها تل أبيب طرفاً.