تتصاعد في الآونة الأخيرة التصريحات على لسان مسؤولين اسرائيليين لجهة التحذير من تركيا ومن كونها الخطر الحقيقي المقبل على إسرائيل، وفيما يضع البعض هذه التصريحات ضمن اطار الخلاف مع الرئيس التركي رجب طيب اردوغان، يظهر بوضوح ان المسألة اعمق بكثير من مجرد خلاف في وجهات النظر بين اشخاص. واذا كان من غير الدقيق بعد وصف تركيا بأنها "العدو الأول" لاسرائيل اليوم، الا انه من الصحيح تماماً القول ان الخطاب السياسي والأمني الإسرائيلي شهد خلال الأشهر الماضية تحولا ًواضحاً نحو اعتبار تركيا التحدي الاستراتيجي الأهم في المرحلة المقبلة، وهو يرتبط بشدة في التعريف الإسرائيلي لمصادر القوة والنفوذ في الشرق الأوسط بعد سلسلة من التغييرات الكبرى التي أعادت رسم المشهد الإقليمي.
لفهم هذا التحول، ينبغي التوقف عند تغيّر التفكير في تل ابيب في الواقع الإقليمي، فقد تراجعت مركزية الجبهة السورية التقليدية، وتعرضت شبكات النفوذ الإيرانية العسكرية لضغوط كبيرة، فيما انتقل الملف الإيراني نفسه إلى مسار تفاوضي مباشر مع الولايات المتحدة. ونتيجة لذلك، لم يعد السؤال الإسرائيلي الرئيسي يتعلق بكيفية احتواء تهديد عسكري آنيّ، بل بكيفية التعامل مع توازنات القوة التي ستنتج عن النظام الإقليمي الجديد. في هذا السياق، تبرز تركيا بوصفها الدولة الوحيدة تقريباً التي تجمع عناصر القوة والشرعية الدولية. فهي عضو في حلف شمال الاطلسي، وتتمتع بعلاقات وثيقة مع واشنطن، وتمتلك قاعدة صناعية دفاعية متطورة، وحضوراً عسكرياً يمتد من شرق المتوسط إلى شمال سوريا، وقدرة على التأثير في ملفات تتجاوز حدودها الوطنية. إضافة الى ذلك، يشكل العامل السوري موقعاً مركزياً في هذه الرؤية الجديدة، خصوصاً بعد سقوط نظام بشار الأسد، و"التغلغل" التركي العميق في هذا البلد.
في المقابل، لا يجب الرهان على ان التركيز الإسرائيلي على تركيا يعني تراجع أهمية إيران، فالمفارقة الأساسية حاليا هي أن إيران عادت إلى الواجهة من بوابة مختلفة تماماً عن تلك التي اعتادت إسرائيل التعامل معها. فبعد سنوات من التركيز على النفوذ العسكري والشبكات الإقليمية، أصبحت طهران لاعباً رئيسياً في مسار تفاوضي مباشر مع واشنطن حول ملفات الأمن الإقليمي والبرنامج النووي والترتيبات الأمنية في المنطقة. لذلك، تبقى طهران حاضرة تماماً في الحسابات الإسرائيلية، وإنما انتقلت من حالة "التهديد العسكري المباشر" إلى حالة "العامل السياسي الذي لا يمكن تجاوزه".
لا تواجه إسرائيل اليوم خصماً إقليمياً واحداً كما كان الحال في مراحل سابقة، بل بالاحرى مشهداً متعدد الأقطاب. إيران تعود عبر التفاوض، وتركيا تتوسع عبر النفوذ الجغرافي والسياسي، فيما تحافظ الولايات المتحدة على دور المرجح النهائي في التوازنات الكبرى. وهنا لا بد من الإشارة الى ان الحديث بين الحين والآخر عن مصر هو بسبب اعتبارها القوة العربية الوحيدة التي تمتلك المقومات الديموغرافية والجغرافية والعسكرية التي تجعل أي تغيير مستقبلي في اتجاهاتها السياسية خطراً على إسرائيل، ولكن معاهدة السلام والقبضة الأميركية عليها تجعل من الصعب على القاهرة تغيير مسارها بشكل جذري.
ومع تراجع مركزية بعض التهديدات التقليدية، تتجه الأنظار نحو القوى الأكثر قدرة على ملء الفراغات الجيوسياسية، وفي مقدمها تركيا، اذ حتى بعد رحيل الرئيس التركي الحالي، فإن التوجه سيبقى نفسه، والخطورة لن تقلّ، وفي حال حصل تقارب بين تركيا وإسرائيل من جديد، فالجوهر سيبقى نفسه، والمخاطر ستبقى محدقة.




















































