لطالما ارتبط التفوق العسكري الإسرائيلي بعنصرين متكاملين: القدرات الذاتية التي طورتها إسرائيل على مدى عقود، والدعم الأميركي الذي وفر لها غطاءً استراتيجيًا وعمقاً تكنولوجياً واسعاً. غير أن التحولات التي كشفتها الحروب الأخيرة، وخصوصاً الضغوط التي تعرض لها مخزون السلاح الأميركي، طرحت فكرة ارتباط هذا الدعم بحدود القدرة الصناعية والعسكرية للولايات المتحدة الأميركية. المشكلة لا تكمن في أن واشنطن فقدت قدرتها على دعم إسرائيل، فهي ما زالت تمتلك أكبر قاعدة صناعية عسكرية في العالم تقريباً، كما أن إسرائيل نفسها تمتلك جيشاً متطوراً وصناعات دفاعية متقدمة. لكن التحدي الجديد يتمثل في أن بعض أنواع الأسلحة الحديثة يصعب تعويضها بسرعة، خصوصاً الصواريخ الدقيقة، وصواريخ الاعتراض، والذخائر الجوية المتطورة.
خلال العقود الماضية، استفادت إسرائيل من واقع استراتيجي مهم: إمكانية تعويض جزء كبير من استهلاكها العسكري عبر الولايات المتحدة، خصوصاً في الحروب التي تتطلب استخداماً مكثفاً للذخائر. هذا النموذج منح إسرائيل هامشاً واسعاً في إدارة العمليات العسكرية، لأنها كانت تعلم أن استنزاف المخزون خلال فترة القتال لن يعني بالضرورة انخفاضاً سريعاً في قدرتها على الاستمرار. لكن تراجع الاحتياطيات الأميركية في بعض المجالات يغيّر طبيعة هذه المعادلة. فواشنطن باتت تدرك أن أي شحنة من الذخائر المتقدمة أصبحت مرتبطة بأسئلة أوسع: هل تحتاجها القوات الأميركية نفسها؟ هل يمكن للصناعة الدفاعية إنتاج البديل في الوقت المطلوب؟
يظهر هذا الأمر بوضوح في مجال الدفاع الصاروخي، فأي حرب واسعة وطويلة مع إيران أو مع أفرقاء إقليميين آخرين ستتحول إلى معركة استنزاف. في مثل هذه الحالة، تصبح كلفة الدفاع عاملاً مهماً. فالفريق الآخر يستخدم وسائل هجومية أقل تكلفة مثل المسيّرات أو الصواريخ الرخيصة نسبياً، بينما تضطر إسرائيل وحلفاؤها إلى استخدام أنظمة اعتراض باهظة ومعقدة.
إضافةً إلى ذلك، فإن تراجع المخزون الأميركي قد تكون له انعكاسات سياسية على العلاقة بين واشنطن وتل أبيب. فعندما تكون الموارد العسكرية غير محدودة نسبياً، تمتلك الولايات المتحدة قدرة أكبر على الفصل بين الدعم العسكري والخلافات السياسية. أما عندما تصبح الذخائر الحساسة نادرة، فقد يزداد ارتباط المساعدات العسكرية بالنقاشات حول أهداف الحرب، ومدتها، وطريقة إدارتها، وهو أمر يمنح واشنطن نفوذاً أكبر في تحديد شكل العمليات، خصوصاً إذا كانت تخشى أن يؤدي صراع طويل إلى استنزاف قدرات تحتاجها في مناطق أخرى، مثل منطقة المحيط الهادئ في مواجهة الصين.
من جهة أخرى، قد يدفع هذا الواقع إسرائيل إلى تسريع توجه قائم أصلاً نحو زيادة الاستقلالية الدفاعية، فهي تستثمر منذ سنوات في تطوير صناعاتها المحلية، سواء في مجال الصواريخ أو الطائرات المسيّرة أو أنظمة الدفاع الجوي. إلا أن الوصول إلى استقلالية كاملة يبقى أمراً صعباً، لأن بعض القدرات الأميركية المتقدمة، مثل الطائرات الحديثة وبعض التقنيات الحساسة، لا يمكن تعويضها بسرعة.
وعليه، لا يمثل تراجع المخزون العسكري الأميركي تهديداً مباشراً لقدرة إسرائيل على خوض الحروب، لكنه من دون شك، يغيّر طبيعة اتخاذ القرارات العسكرية والسياسية. فالقوة في العصر الحديث لم تعد مرتبطة فقط بامتلاك الأسلحة المتطورة، بل بالقدرة على إنتاجها وتعويضها وإدارتها لأطول فترة ممكنة. ومن هنا يصبح مخزون السلاح الأميركي عاملاً مؤثراً في ساحات القتال، وفي شكل التحالفات، وطريقة صياغة القرارات السياسية في الشرق الأوسط. هذا ما علّمتنا إياه الحرب الأخيرة بين أميركا وإيران، والتي دخلت إسرائيل على خطها، إلا أنها بقيت محصورة بين الفريقين الأساسيين، وقد ظهر هذا التأثير في بعض مراحل تلك المواجهة مع إيران وامتداداتها الإقليمية، عندما اصطدمت مواقف إسرائيلية معلنة، سواء من جانب رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو أو وزير الدفاع يسرائيل كاتس، بحسابات الإدارة الأميركية، قبل أن تتراجع تل أبيب لاحقاً عن بعض مواقفها. ويمكن تفسير ذلك بأن الاعتماد على القدرات الأميركية، خصوصاً في ظل ضغط المخزون وتعدد الجبهات المحتملة، منح واشنطن وزناً أكبر في تحديد سقف التصعيد ومسار القرارات.





















































