نقف أمام قامتين بشاريَّتين حملتا الإنجيل، البشرى السارَّة لليهود والوثنيِّين، كلٌّ منهما على طريقته وبأسلوب مختلف خاصٍّ به. صحيح أنَّ بطرس (سمعان - شمعون) وبولس كانا يهوديَّين إلَّا أنَّ الأوَّل تعرَّف على الربِّ يسوع المسيح بطريقة تختلف عن الثاني.
نقرأ في إنجيل يوحنَّا أنَّ أندراوس الرسول شقيق سمعان بطرس كان من تلاميذ القدِّيس يوحنَّا المعمدان، وأتى إلى بطرس وقال له: «قد وجدنا مسيَّا» الَّذي تفسيره: المسيح. وأتى به إلى يسوع، فنظر إليه الربُّ وقال: «أنت سمعان بن يونا. أنت تدعى صفا» الَّذي تفسيره: بطرس (يوحنَّا 1: 40–42).
نلاحظ هنا أنَّ يسوع أعطاه اسم صفا (كيفاCephas - ) وهو آراميٌّ معناه صخر، وترجمته اليونانيَّة بطرس Petros. وعاد الربُّ ودعاه مرَّة ثانية بصخر Petros - بطرس عندما أعلن سمعان أنَّ يسوع هو المسيح ابن الله الحيِّ. قصد يسوع بذلك أنَّ بطرس صخر بإيمانه بالمسيح ولا أحد يقوى على الربِّ: «وعلى هذه الصخرة Petra أبني كنيستي، وأبواب الجحيم لن تقوى عليها» (متَّى 16: 16- 18).
كان بطرس متحمِّسًا كثيرًا لكنَّه وقع ثلاث مرَّات، ولم يصبح ثابتًا بكلِّ معنى الكلمة إلَّا بعد حلول الروح القدس في العنصرة حيث وقف وخطب بالناس، وأكمل بشارته واجترح بقوَّة الربِّ العجائب، وكان إن مرَّ خياله على مريض شفاه (أعمال 5: 15-16)، وفي النهاية استشهد مصلوبًا.
في المرَّة الأولى، عندما أتى يسوع إلى التلاميذ ماشيًا على المياه، وقال له بطرس: «يا سيِّد، إن كنتَ أنت هو، فمُرني أن آتي إليك على الماء» قال له الربُّ: «تعال». وبالفعل نزل بطرس من السفينة ومشى على المياه، ولكن لمَّا خاف من شدَّة الريح وأزاح نظره عن يسوع بدأ يغرق، فاستغاث بالربِّ لينجِّيه، فمدَّ يسوع يده ورفعه ووبَّخه قائلًا: «يا قليل الإيمان، لماذا شككت؟» (متَّى 14: 28 - 31).
المرَّة الثانية كانت بعد إعلانه أنَّ يسوع هو المسيح مباشرة، وذلك عندما قال الربُّ لتلاميذه بأنَّه سيُصلَب في أورشليم ويُقتَل ولكنَّه سيقوم في اليوم الثالث. عندها بدأ بطرس ينتهر يسوع قائلًا له: «حاشاك يا ربُّ». فما كان من يسوع إلَّا أن قال له: «اذهب عنِّي يا شيطان، أنت معثرة لي» (متَّى 16: 21-23). طبعًا لا يقصد يسوع أنَّ بطرس هو شيطان، وإنَّما كلامه يخالف خلاص الربِّ للبشر بفدائه وصلبه وغلبته على الموت وانهزام الشيطان في عقر داره.
المرَّة الثالثة كانت عندما نكر بطرس يسوع ثلاث مرَّات، وأرجعه الربُّ إلى عمله الرعائيِّ بعد بكاء بطرس.
أمَّا بخصوص بولس فكان هو شاول المضطهد للمسيحيِّين، وظهر له الربُّ على طريق دمشق وعرَّفه عن نفسه قائلًا: «شاوُل، شاوُل! لماذا تضطهدني؟» (أعمال 9 : 4). وبعدها تغيَّرت حياته وأصبح رسول الأمم. وكانوا يمسحون المناديل على جسده ويأخذونها ويمسحون بها مرضى فيشفون (أعمال 19: 11-12).
ومع ذلك بقي عند بولس شوكة في الجسد وتضرَّع إلى الربِّ ثلاث مرَّات لأن يرفعها عنه فأجابه الربُّ: « تكفيك نعمتي، لأنَّ قوَّتي في الضعف تكمل». وما أروع جواب بولس: «فبكلِّ سرور أفتخر بالحريِّ في ضعفاتي، لكي تحلَّ عليَّ قوَّة المسيح» (2 كورنثوس 12: 9). واعتبر الشوكة نعمة كي لا يتكبَّر بعد إعلانات الرؤى الروحيَّة العظيمة من الله له.
في الخلاصة، عندما نعترف بضعفنا أمام الله ونعرف حدود بشريَّتنا ونطلب معونته نعي عندها قوَّة الله فينا باحتمال كلِّ الضعفات البشريَّة والتجارب الروحيَّة. فبولس الرسول يعلن: «لذلك أُسَرُّ بالضعفات والشتائم والضرورات والاضطهادات والضيقات لأجل المسيح. لأنِّي حينما أنا ضعيف فحينئذٍ أنا قويٌّ» (2 كو 12: 10).
فما أعظمَ هذين الرسولين الكبيرين والمتواضعين جدًّا، اللذين عَرَفا أنَّهُما لا شيء من دون يسوع.
إلى الربِّ نطلب.

























































