لقد جاء وقع "اتفاق الإطار" الذي جرى توقيعه في واشنطن ثقيلًا على "حزب الله" ليس بسبب بنوده التي تُهدّد كامل عقيدة "الحزب" وعمله المُسلّح فحسب، بل بسبب كشفه النقاب عن وُجود قرار أميركي كبير يقضي بإنهاء الجانب العسكري الذي بنته "المقاومة" منذ أكثر من عقدين، ونيّة بممارسة ضُغوط مفتوحة على السُلطة في لبنان لتنفيذ ذلك. فكيف سيتصرّف "حزب الله" لإفشال اتفاق واشنطن؟
أوّلًا: تصعيد الحملات الإعلاميّة بشكل كبير على الحكومة وكامل السلطة السياسية الحاكمة، ومحاولة توسيع دائرة رفض "اتفاق الإطار" لتشمل قوى وأحزاب عدّة خارج إطار "البيئة الحاضنة" التقليديّة، بموازاة شنّ حملات تخوين واسعة في محاولة لتقليب الرأي العام.
ثانيًا: تنفيذ وقفات احتجاج وتظاهرات وتحركات اعتراض تصاعدية رفضًا للاتفاق، والعمل على عدم حصرها تحت عناوين سياسية، بهدف توسيع حجمها الشعبي قدر المُستطاع عبر دمج عناوين معيشية وحياتية كفيلة باستقطاب فئات شعبية إضافية معارضة للحكومة بغية إسقاطها.
ثالثًا: رفع سقف التحذيرات بوجه السُلطة السياسية من مغبّة الشروع في تنفيذ أي إجراءات ميدانية ضُد سلاح "الحزب"، وتحضير خطط عمل احترازية جاهزة للتنفيذ، لتأكيد جدّية القرار المُتخذ باللجوء إلى القوّة لإفشال أي قرار يطال البنية العسكرية التي تمّ تأسيسها على مدى عُقود.
رابعًا: العمل على تحضير الأرضية لقلب موازين القوى السياسية الداخلية في لبنان من جديد، عبر اعتماد سياسة "العصا والجزرة"، في محاولة لاستعادة الأغلبية النيابية الكافية لتغيير كامل المسار السياسي القائم في لبنان حاليًا، عبر إعادة نسج تحالفات مع قوى سياسية وازنة خارج الحُكم حاليًا، والتعهّد خلف الكواليس بإيصال ممثّليها إلى أعلى المناصب السياسية في حال الفوز بالانتخابات المقبلة.
خامسًا: إبقاء الوضع في الجنوب غير مُستقرّ، وبالتالي غير مناسب لشروع الجيش اللبناني في تنفيذ أي من بنود "اتفاق الإطار"، مع إعداد خطة لإعادة تصعيد الوضع الأمني بشكل كامل في حال دعت الحاجة لذلك مُستقبلًا، وفي حال جاء القرار الإيراني بهذا الخُصوص.
وهنا من الضروري الإشارة إلى أنّ الاتهامات التي رفعتها قيادات في "حزب الله"، أو تدور في فلكه، ضُدّ السُلطة الشرعية، لجهة تخلّيها المجاني عن ورقة الدعم التي كانت تُشكّلها إيران، وعن كل ما كانت تمنحه من قوة للبنان، صحيحة في الشكل وغير صحيحة في المضمون. فما الذي يمنع "الحزب" اليوم قبل الغد، من العودة إلى خيار القتال ضُد الجيش اٍلإسرائيلي، في حال كان خيار العمل المُسلّح المقاوم هو فعلًا الطريق المناسب لاسترداد الأراضي المُحتلّة؟ وما الذي يمنع إيران من المُضيّ قُدمًا في تهديداتها ضُدّ إسرائيل، بأنها ستُساند "الحزب" عسكريًا في حال مواصلة الجيش الإسرائيلي خروقاته وعدم الانسحاب من الجنوب؟ وما الذي يمنع طهران أيضًا من رفض توقيع أي اتفاق نهائي مع واشنطن، في حال بقاء الاحتلال في الجنوب؟
فاتفاق الإطار الذي وقّعه الوفد اللبناني إلى واشنطن يسقط تلقائيًا، في حال عودة الحرب إلى الجنوب، أو في حال تمسّك إيران فعليًا وليس كلاميًا بشروطها إزاء لبنان. لكنّ الواقع مُغاير تمامًا لحفلة التهجمات على السُلطة، فأي مُغامرة عسكريّة واسعة جديدة ضُد قوات الاحتلال الإسرائيلي ستجلب المزيد من الخسائر على مقاتلي "الحزب" بالدرجة الأولى، وعلى البيئة الحاضنة له بالدرجة الثانية، وهي ستبرّر توسيع دائرة المناطق المحتلّة وليس العكس، كما أثبتت تجارب السنوات الثلاث الماضية، خاصة وٍأنّ طريق الإمداد التقليدي بالسلاح والذخائر من إيران إلى "حزب الله" عبر سوريا، صار مقطوعًا تمامًا، الأمر الذي جعل قدرات مقاتلي "الحزب" محدودة جدًا، مقارنة بما كانت عليه في السابق.
كذلك الأمر، إنّ أيّ تدخّل إيراني في الحرب في لبنان، لجهة قصف إسرائيل بالصواريخ الباليستية سيفتح الباب أمام ردود فعل إسرائيلية عنيفة ضُدّ إيران، علمًا أنّ المواجهات السابقة أثبتت أنّ قدرة طهران على إلحاق الأذى تقتصر على التسبّب بإغلاق المطارات وهروب الإسرائيليين إلى الملاجئ وبعض الضرر في قاعدة عسكرية هنا أو هناك في حال إفلات بعض الصواريخ من الأنظمة الاعتراضية الدفاعية، بينما قدرة تل أبيب على إلحاق الأذى كبيرة جدًا، وهي ستطال في المرّة المقبلة المزيد من القيادات الأمنية وربما السياسية الإيرانية، وما تبقى من قدرات عسكرية وقتالية.
وتستطيع إيران اللجوء مُجدّدًا إلى خيار إغلاق مضيق هرمز، وهو الإجراء الذي جعلها تخنق العالم أجمع اقصاديًا، وأنقذها من استمرار الحرب الأميركية-الإسرائيلية عليها. لكن هذه المرّة، الجانب الأميركي جدّي في رفض العودة إلى الوراء، بعد توقيع "مذكرة التفاهم" مع طهران، وفتح المسارات البحرية، بحيث سيتمّ التعامل مع أي محاولة إيرانية لإعادة إغلاق المضيق بقساوة كبيرة من قبل الجيش الأميركي، وهو ما ظهرت بوادره خلال المناوشات المتبادلة التي وقعت في عطلة نهاية الأسبوع. فمصير الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وحزبه السياسي على المحك مع انطلاق العدّ العكسي للانتخابات النصفيّة الأميركية في الثالث من تشرين الثاني، ولا يمكنه بالتالي التساهل إزاء البند الأبرز لصالح واشنطن في مذكرة التفاهم مع إيران!
في الختام، الاحتقان في ذروته داخليًا وإقليميًا، والقرارات الأميركية الكبرى تهدف إلى إعادة تشكيل كامل منطقة الشرق الأوسط. وقدرة لبنان على مواجهة ذلك محدودة، إن بالنسبة إلى السُلطة الرسمية ٍأو "حزب الله". وبالتالي، الأنظار تبقى مُصوّبة على اللاعب الإقليمي الفاعل، أي إيران، لمعرفة طبيعة الاتفاق النهائي الذي ستنسجه مع الإدارة الأميركية في المرحلة المقبلة، وما سيطال لبنان و"الحزب" منه. وفي حال تعثّر هذا المسار السلمي، ستذهب المنطقة لمواجهة عسكرية واسعة جديدة سيحاول فيها الجميع مرّة أخرى تغيير موازين القوى القائمة.
ناجي س. البستاني