بات واضحًا أن جزءًا أساسيًا من قرارات بنيامين نتنياهو ودونالد ترامب يرتبط أيضًا بحاجتهما إلى إنتاج إنجاز سياسي أو أمني يمكن تقديمه للرأي العام في زمن الانتخابات.
في إسرائيل، يتجه نتنياهو إلى انتخابات في 27 تشرين الأول، في ظل ضغوط سياسية متزايدة، فيما تشير استطلاعات حديثة إلى تراجع قدرة ائتلافه على الاحتفاظ بالغالبية الحالية. وفي الولايات المتحدة، يقترب ترامب من انتخابات التجديد النصفي في تشرين الثاني، بينما تحول ملف إيران ومضيق هرمز إلى قضية لها انعكاسات مباشرة على أسعار الطاقة والاقتصاد الأميركي.
من هنا، يمكن فهم الحركة الإسرائيلية والأميركية في المنطقة باعتبارها بحثًا عن صورة الانتصار. فنتنياهو يحتاج إلى إنجاز يستطيع من خلاله أن يقول للإسرائيليين إن الحرب لم تنتهِ إلى تسويات سياسية فقط، بل أنتجت واقعًا أمنيًا جديدًا أكثر ملاءمة لإسرائيل. وترامب، في المقابل، يحتاج إلى إنجاز يستطيع من خلاله القول إن الولايات المتحدة لم تدخل حربًا طويلة ومكلفة مع إيران من دون نتيجة، وإن الضغط العسكري والاقتصادي الأميركي أجبر طهران على تقديم تنازلات، ولا سيما في مسألة مضيق هرمز.
في الحالة الإسرائيلية، تتوزع ساحات الإنجاز المحتمل بين إيران ولبنان وسوريا وغزة، لكن لكل ساحة وظيفة مختلفة. فالساحة الإيرانية تمنح نتنياهو إمكانية تقديم إنجاز استراتيجي كبير إذا تمكن من العودة إلى استهداف القدرات والبنى التحتية الإيرانية، خصوصًا إذا وصل إلى قناعة بأن المسار التفاوضي الأميركي–الإيراني لا ينتج النتيجة التي يريدها. أما غزة فتظل ساحة يمكن استخدامها لإظهار استمرار الضغط على حماس ورفض أي تسوية لا تتضمن تفكيكها ونزع سلاحها، وهو ما ظهر بوضوح في رفض نتنياهو الخطة الأميركية الأخيرة التي ربطت إنهاء الحرب بترتيبات سياسية وأمنية.
لكن لبنان يحتل موقعًا مختلفًا في الحسابات الإسرائيلية، لذلك تربط إسرائيل أي انسحاب من الأراضي التي لا تزال تسيطر عليها في جنوب لبنان بمسألة نزع سلاح حزب الله، فيما ترفض بيروت أن يتحول الانسحاب إلى ورقة ابتزاز دائمة، وتصر على أن تنفيذ الاتفاق يجب أن يسير بالتوازي بين الانسحاب الإسرائيلي وانتشار الجيش اللبناني وتثبيت الترتيبات الأمنية.
وقد عادت إسرائيل، بعد ضغوط أميركية، إلى توضيح أن بقاء قواتها مرتبط بالنسبة إليها بتحقيق هدف نزع سلاح حزب الله، وهذا تحديدًا ما يجعل الساحة اللبنانية من أصعب الساحات التي يمكن أن يقدم فيها نتنياهو تنازلاً في المرحلة الحالية، فالتراجع الإسرائيلي في لبنان يمكن أن يُقرأ داخل إسرائيل على أنه تراجع عن جزء من الإنجاز الذي تقول الحكومة إنها حققته في الحرب الأخيرة. ولذلك تبدو المفاوضات اللبنانية–الإسرائيلية، رغم استمرارها، محكومة بسقف إسرائيلي مرتفع، فيما تستمر العمليات العسكرية بالتوازي معها.
والدليل الأكثر وضوحًا على ذلك هو تلة علي الطاهر، التي تحولت إلى اختبار للقدرة الإسرائيلية على تثبيت وقائع جديدة في جنوب لبنان. فأهمية علي الطاهر بالنسبة إلى إسرائيل تتجاوز السيطرة على موقع مرتفع يسمح بمراقبة مساحة واسعة من الجنوب، وتمنح إسرائيل ورقة أمنية وميدانية يمكن استخدامها في أي تفاوض لاحق، لأن السيطرة عليها يمكن أن تُقدّم داخليًا في إسرائيل باعتبارها نموذجًا لما تسميه الحكومة "العمق الأمني" الذي يجب أن يبقى قائمًا إلى أن تتغير البيئة الأمنية في الجانب اللبناني. وبمعنى أوضح، تصبح تلة علي الطاهر إنجاز نتنياهو اللبناني إذا استطاع تثبيت السيطرة عليها. فبعد حرب طويلة ومتعددة الجبهات، يحتاج رئيس الحكومة الإسرائيلي إلى صور واضحة للإنجاز يمكن اختصارها في عناوين بسيطة أمام الجمهور الإسرائيلي، وهذه العناوين هي: إيران تحت الضغط، حزب الله منزوع القدرة على تهديد الحدود، مناطق أمنية جديدة، وغزة لم تحصل على تسوية مجانية.
يدرك لبنان الرسمي أنه كلما اقترب نتنياهو من استحقاقه الانتخابي، يصبح هامش المناورة أمامه في لبنان أضيق، لا أوسع، فالتنازل في لبنان قد يكون ضروريًا لإنجاح المسار التفاوضي الذي تدفع إليه واشنطن، لكنه قد يكون مكلفًا سياسيًا لنتنياهو إذا ظهر كتنازل عن إنجاز عسكري حققته إسرائيل.
في المقابل، يعيش ترامب معادلة مختلفة، لكنها تتقاطع مع معادلة نتنياهو في نقطة أساسية، وهي الحاجة إلى إنجاز. فالرئيس الأميركي لا يريد أن تبدو الحرب مع إيران وكأنها انتهت إلى وضع لم تستطع فيه الولايات المتحدة إعادة فتح مضيق هرمز أو فرض شروطها على طهران. وفي الوقت نفسه، لا يبدو أن واشنطن تريد العودة إلى حرب واسعة جديدة في الوقت الحالي، على الأقل. لذلك، المشكلة بالنسبة إلى ترامب أن إيران بدورها تحتاج إلى أن تخرج من الأزمة بصورة المنتصر، أو على الأقل بصورة الطرف الذي لم يُجبر على الاستسلام.
ترامب يستطيع أن يقبل بتسوية مع إيران، لكن ليس بأي صيغة، فهو يحتاج إلى اتفاق يمكن تسويقه على أنه نتيجة للضغط الأميركي وليس نتيجة للتراجع أمام الشروط الإيرانية. وإذا تمكن من إعادة فتح هرمز من دون تقديم تنازلات تظهره أمام الناخب الأميركي وكأنه رضخ لطهران، فسيكون قد حصل على الإنجاز الذي يبحث عنه. أما إذا تعذر الوصول إلى هذه الصيغة، فإن خطر العودة إلى التصعيد يبقى قائمًا.
وهنا أيضًا يتقاطع المسار الأميركي مع المسار الإسرائيلي، فإذا كان ترامب يريد اتفاقًا مع إيران يُظهره منتصرًا، فإن نتنياهو يريد نتيجة في إيران أو لبنان أو غزة تعوّضه عن أي تسوية قد تضطر إليها إسرائيل في ساحات أخرى. وكلما تعقدت التسوية الأميركية–الإيرانية، ازدادت قيمة الساحات الأخرى كمساحات لإنتاج الإنجازات. ولبنان قد يكون الساحة الأكثر قابلية للاستخدام الإسرائيلي، لأنها تسمح لإسرائيل بمواصلة العمل العسكري تحت عنوان الأمن الحدودي، من دون أن يعني ذلك بالضرورة فتح حرب شاملة جديدة.
لهذا السبب، فإن العمليات حول علي الطاهر، واستمرار الضغط على حزب الله، والتشدد في مسألة الانسحاب، والتمسك بربط الانسحاب بنزع السلاح، كلها تشكل أجزاء من معادلة واحدة، وهي أن إسرائيل تريد أن تدخل أي تسوية لبنانية من موقع المنتصر، لا من موقع الطرف الذي اضطر إلى الانسحاب نتيجة الضغط الأميركي أو التفاوض.