على وقع ارتدادات توقيع الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل في واشنطن الأسبوع الماضي، أشار ديبلوماسي مطلع على المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية لصحيفة "الجمهورية"، إلى أنّ "قيمة التفاهمات القائمة ليست في الأوراق التي وُقّعت، بل في ما يمكن أن تنتجه على الأرض. فالمعيار الحقيقي هو: هل يستطيع لبنان أن يفرض سلطة دولته على كامل أراضيه، وأن يستعيد ما تبقّى من أراضٍ محتلة عبر المؤسسات الشرعية؟".
وأوضح أنّ "هناك مَن يختصر النقاش بالسؤال عمّا إذا كان هذا المسار يمثل تنازلاً أم انتصاراً، بينما السؤال الصحيح هو: هل يخدم المصلحة اللبنانية؟ فإذا كانت النتيجة النهائية هي انسحاباً إسرائيلياً كاملاً، انتشار الجيش اللبناني، واستعادة الدولة قرارها، فإنّ هذا المسار يحقق الهدف الذي طالما أجمع عليه اللبنانيّون، وهو إنهاء الاحتلال وتثبيت السيادة".
ورأى الدبلوماسي، أنّ "الاعتراضات التي تبديها حركة "أمل" و"حزب الله" يجب ألّا تُقرأ باعتبارها نهاية الطريق، بل بوصفها جزءاً من النقاش الداخلي الذي يرافق أي تحوُّل استراتيجي: في كل التجارب الدولية، من البلقان إلى أيرلندا الشمالية، سبقت الاعتراضاتُ التسوياتِ الكبرى"، مبيّنًا أنّ "لا أحد يطلب من أي فريق أن يتخلّى عن هواجسه، لكنّ الجميع مطالَب بالنظر إلى النتيجة النهائية لا إلى الحسابات المرحلية. فالبديل عن نجاح الدولة ليس انتصار "حزب الله"، بل استمرار الاحتلال واستمرار الحرب المفتوحة".
وركّز على أنّ "مَن يعتقد أنّ تعطيل التنفيذ سيُضعِف الضغوط الدولية على إسرائيل، يُخطئ في قراءة الوقائع. عملياً، أي إخفاق في تنفيذ الالتزامات سيمنح إسرائيل حجة إضافية للإبقاء على قواتها داخل الجنوب، تحت عنوان غياب الضمانات الأمنية. لذلك، فإنّ المتضرّر الأول من تعطيل المسار سيكون لبنان نفسه، وليس أي جهة أخرى".
وعن زيارة رئيس الجمهورية جوزاف عون المرتقبة إلى واشنطن، اعتبر أنّها "ليست زيارة بروتوكولية، بل محطة تأسيسية. فواشنطن تريد أن ترى دولة لبنانية قادرة على تنفيذ تعهُّداتها، فيما يحتاج لبنان إلى تثبيت الدعم السياسي والعسكري والاقتصادي، لتمكين الجيش من استكمال انتشاره، وإطلاق المرحلة التالية التي تفضي إلى انسحاب إسرائيلي كامل. وإذا نجحت الزيارة في تكريس هذه المعادلة، فإنّها ستكون من أهم الزيارات الرئاسية اللبنانية منذ سنوات".
أمّا إقليمياً، فلفت الدبلوماسي إلى أنّ "لبنان لا يزال يتقاطع مع مسار التفاوض الأميركي- الإيراني، لكنّه يميِّز بين أن يتأثر بهذه المفاوضات وبين أن يتحوَّل إلى ورقة تفاوض فيها"، مؤكّدًا أنّ "من حق إيران أن تدافع عن مصالحها في مفاوضاتها مع واشنطن، لكن ليس من مصلحة لبنان أن يبقى جزءاً من صندوق البريد الإقليمي. وكلّما بقي تنفيذ الترتيبات معلقاً، بقيت طهران تمتلك ورقة ضغط إضافية عبر حليفها اللبناني. أمّا إذا نجحت الدولة في فرض مسارها، فإنّ لبنان يخرج تدريجياً من دائرة المقايضة الإقليمية ويصبح صاحب قراره".
وذكر أنّ "المعادلة الجديدة التي يسعى الرئيس عون إلى تكريسها، تقوم على أنّ لبنان يرحِّب بأي تفاهم دولي أو إقليمي يخفِّف التوتر، لكنّه يرفض أن تُربط سيادته بمفاوضات الآخرين، وهو ما عبّر عنه مراراً".
الموقف الأميركي
في موازاة ذلك، رأى مصادر سياسية عبر "الجمهورية"، أنّ "المرحلة المقبلة تضع الولايات المتحدة أمام مسؤولية أساسية في مواكبة تنفيذ الاتفاق الإطاري، باعتبارها الجهة الراعية للترتيبات التنفيذية، ولا سيما مع إعلانها نشر قوات أميركية في لبنان وإسرائيل، للمساهمة في مراقبة التنفيذ ومعالجة أي خروقات قد تطرأ. وفي هذا السياق، تؤكّد واشنطن أنّ الاتفاق يرسم مساراً يعزّز سلطة الدولة اللبنانية ويكرّس سيادتها على كامل أراضيها، فيما تستمر المشاورات لتأمين استكمال الانسحاب الإسرائيلي وفق الآليات والجدول الزمني المنصوص عليهما".
وأفادت بأنّه "بالتوازي، بدأ العمل على الخطوات التنفيذية الأولى، وفي مقدّمها الترتيبات الأمنية التي ستُنفّذ بالتنسيق مع الجيش الأميركي، على أن تنطلق من المناطق التي ينسحب منها الجيش الإسرائيلي. وفي هذا الإطار، اكتسبت زيارة قائد القيادة المركزية الأميركية الأدميرال براد كوبر إلى بيروت أهمّية خاصة، إذ تناولت لقاءاته مع الرئيس عون وقائد الجيش العماد رودولف هيكل آليات تطبيق الاتفاق".
وشدّدت المصادر على أنّ "نجاح هذه المرحلة يتطلّب استمرار التنسيق بين الدولة اللبنانية والولايات المتحدة والجهات المعنية، بما يضمن استكمال الانسحاب الإسرائيلي، وتعزيز حضور مؤسسات الدولة، وتوفير آليات تنفيذ تحافظ على الاستقرار الداخلي وتدعم التطبيق الكامل لبنود الاتفاق".
مجلس الوزراء
في غضون ذلك، ينعقد مجلس الوزراء في جلسة بعد ظهر غد في السراي الحكومي، ويخلو جدول الأعمال الموزَّع من موضوع الاتفاق الإطاري. وأشارت مصادر مطلعة لـ"الجمهورية"، إلى أنّ "الثنائي الشيعي ينتظر ما إذا كان الاتفاق سيُطرَح في الجلسة من خارج جدول الأعمال"، لكنّها استبعدت إدراجه في غياب رئيس الجمهورية.
وأكّدت أنّ "الاتفاق لم يُناقَش، وحتى ولو طُرح فإنّ وزراء الثنائي غير معنيّين بمسار التفاوض المباشر، ولذلك لم يعلّقوا عليه لأنّهم غير موافقين أصلاً على المفاوضات المباشرة".
مدة محددة لتنفيذ التعهدات
على صعيد متصل، لفتت مصادر دبلوماسية لصحيفة "الديار"، إلى أن "واشنطن بصدد التحضير لجولة مفاوضات في النصف الاول من شهر تموز بين الوفدين اللبناني والاسرائيلي"، بعد ان تكون وزارة الخارجية الأميركية قد تلقت التقرير النهائي، الذي اعدته القيادة المركزية حول الآليات العسكرية التنفيذية لـ"اتفاق الاطار"، مع اعطاء البنتاغون صلاحية تحديد التقدم المنجز على صعيد تطبيق بنوده والملحق الامني السري".
وكشفت أن "المهلة المعطاة للسلطة اللبنانية لتنفيذ تعهداتها ليست مفتوحة زمنيا، وهي قد لا تتخطى الشهرين، يصبح بعدها سيناريو الجولة الثالثة من الحرب مطروحا بشكل جدي خلال الفترة القليلة المقبلة، حيث لتل ابيب الحق في اتخاذ الاجراءات التي تراها ضرورية لحماية نفسها، خصوصا ان المفاوض اللبناني من خلال التوقيع على الاتفاق، وافق ضمنا على ان الحكومة اللبنانية تتحمل المسؤولية الكاملة عن اي خرق له، او عجز او تأخير في تنفيذه".
في المقابل، اكدت اوساط وزارية للصحيفة أن "رئيس الجمهورية متمسك بالذهاب حتى النهاية في مسار الاتفاق"، مبيّنةً أن "الإرادة السياسية والنوايا اللازمة لاستكمال هذا المسار، لا تزال قائمة لدى المعنيين". وأشارت إلى أن "قيادة الجيش والوفد العسكري اللبناني ملتزمان بتنفيذ كل الالتزامات الواردة في الاتفاق، في انتظار الانتقال إلى المراحل التنفيذية التي ستحدد مسار المرحلة المقبلة"، مركّزةً على أن "الاتصالات الداخلية السياسية مستمرة بعيدا عن الاعلام، بهدف تسهيل عملية انتشار الجيش جنوبا، وتلافي اي اشكالات قد تحصل سواء مع حزب الله او مع الاهالي، في ظل الاحتقان الموجود".
الجيش في المرصاد لأيّ محاولة لإثارة الفتنة والإخلال بالأمن
إلى ذلك، ذكرت صحيفة "الديار" أنّ "بعد توقيع "الاتفاق الاطاري" في واشنطن يوم الجمعة الماضي بين لبنان وإسرائيل، علت اصوات مؤيدة ومعارضة له، ما ادى الى إنقسام في البلد بين السياسيين والأحزاب واللبنانيين عموماً، والى تسريب أخبار عن إمكانية حدوث هزّات امنية من قبل بعض المعارضين للاتفاق، ما أشاع جوّاً متوتراً مخيفاً في البلد؛ لانّ الحلول في لبنان تأتي دائماً على ظهر التداعيات السلبية والتسويات القاتمة. فلا حل إلا بعد خلافات كبيرة تؤدي الى ما لا يُحمد عقباه، وهذا يعني التدهور الامني والسياسي الكبيرين في توقيت حساس وصعب جداَ، لان التاريخ علّمنا في لبنان أن كل شيء يُحّل بعد حدوث مصيبة كبرى".
وتعليقاً على هذا المخاوف التي تثير قلق اللبنانيين منذ توقيع الاتفاق المذكور، أكد مصدر أمني لـ"الديار" أن "الجيش اللبناني يقف في المرصاد ضد كل مَن يعمل على إثارة الفتنة والإخلال بالامن، والقرار اتُخذ لمنع اي إنزلاق في هذه المرحلة الدقيقة والخطرة"، مشدّدًا على أنّ "المؤسسات العسكرية وعلى رأسها الجيش اللبناني، ستقف بحزم ضد كل مَن يحاول زرع النعرات الطائفية، مع تكثيفها التدابير الاستثنائية لتعقب المخلّين بالأمن وضمان السلم الأهلي، ومنع الفوضى من خلال إجراءات صارمة في كل المناطق اللبنانية، لضبط أي تحرّكات قد تهدد أمن المواطنين؛ إضافة الى التوعية والدعوات المتكرّرة لعدم الانجرار وراء حملات التحريض".
وأشار إلى أنّ "قيادة الجيش دعت الى التحلي بالمسؤولية، في ظل الدعوات الى التظاهر والتحرّك في بيروت وبعض المناطق، وشدّدت على اهمية الوحدة والتضامن لتجاوز الأخطار المحدّقة بالبلاد، بعد التظاهرات التي جرت ليل الجمعة الماضي في بعض مناطق العاصمة، مع تأكيد القيادة على إحترام حرّية التعبير السلمي".
وعن إمكانية حدوث اعمال شغب قد تجرّ الى فتنة طائفية، أوضح المصدر "أنّني لا اظن انّ الامور ستصل إلى هذا الوضع، على الرغم من سقف الاعتراض العالي، فهناك عقلاء والموقف الاساسي برز في كلام رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي حذّر كل الجهات من الفتنة"، مركّزًا على أن "الحرب الاهلية ليست لمصلحة اي فريق لبناني ولا احد يريدها، لذا أرى سقف الاعتراض فقط في الشارع من خلال التظاهرات، التي لن تؤدي إلى الإخلال بالامن، فالظروف مختلفة اليوم ولا أحد قادر على ذلك".
وجزم أنّ "الجيش ملتزم بحماية أمن البلاد، ويقف في مواجهة أي محاولة من هذا النوع، من خلال الإجراءات التي سيتخذها، وتشمل تعزيز الانتشار العسكري في المناطق التي قد تشهد توتراً، مع إقامة الحواجز ونقاط التفتيش وتسيير دوريات، لمنع أي أعمال قد تهدّد الاستقرار، والتنسيق مع الأجهزة الأمنية الأخرى، والتأكيد على انّ لا أحد فوق القانون والسلم الاهلي خط أحمر ولن نسمح لأي طرف بضربه".
وحول ما يتردّد عن انّ غقتحام السراي الحكومي وارد، استبعد المصدر ذلك لانّ "المعنيين نفوا هذه الرواية، كما انّ الجيش والقوى الامنية سيتخذون الإجراءات المناسبة التي تدخل ضمن مهامهم ، لضبط الوضع في حال حصل ذلك"، مؤكّدًا أنّ "قرار حماية مؤسسات الدولة وخصوصاً السراي والوزارات متخذ منذ فترة طويلة، لمنع اي تعرّض لها، مع التدخّل الفوري لمنع أعمال الشغب والعنف، وتوقيف الأشخاص الذين يرتكبون هذه المخالفات وإحالتهم إلى القضاء".
عون متفائل باتفاق "أفضل الممكن"... وتعويل على الدور الأميركي
من جهتها، أشارت صحيفة "الشرق الأوسط" إلى أنّ "بعبارة واحدة، يرد الرئيس اللبناني جوزاف عون على منتقدي اتفاق الإطار الذي وقعه لبنان وإسرائيل، نهاية الأسبوع الماضي، الذي يعترف بأنه "ليس مثالياً"، وهي: "أعطوني البديل". فلبنان يعاني منذ أكثر من 3 سنوات من مفاعيل جولات حروب الإسناد التي خاضها "حزب الله": أولاً لإسناد غزة في نهاية عام 2023، ومن ثم لإسناد إيران في الثاني من مارس (آذار) الماضي بعد الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل. ومع هذا، فإن زوار الرئيس يخرجون بانطباع واضح عن تفاؤله بالمسار الذي انطلق مع توقيع الاتفاق".
وأوضح مصدر لبناني رفيع للصحيفة، أنّ "الواقع الذي أفرزته جولات الحرب يزيد من العبء على لبنان، الذي كان يفاوض على انسحاب إسرائيل من خمسة تلال احتلتها في الجولة الأولى، إلى مفاوضات تحت النار والاحتلال الذي توسع ليبلغ تخوم مدينتي النبطية في الشرق وصور على الساحل، وابتلع مدينة بنت جبيل في المنتصف".
وحمّل المسؤولية المباشرة عن اندلاع الحرب، إلى "حزب الله" الذي "لولا صواريخه الستة (التي أطلقها في آذار الماضي)، لما كنا اليوم في هذا الموقع"، معتبرًا أنّ "هذا الاتفاق هو ثمرة أمر واقع فرضه الميدان، ووضع لبنان الذي ينوء تحت خسائر بشرية ومادية متعاظمة، من دون أي أفق للحلول".
وأكّد المصدر أن "الاتفاق ليس سيئاً، وبالمعنى الأدق، لم يصبح اتفاقاً بعد. هو اتفاق إطاري يضع التوجهات العامة، بانتظار التفاصيل الدقيقة التي سيتم التفاوض حولها تباعاً، والتي يراهن لبنان على الاستفادة من الدينامية الأميركية الجديدة للضغط على الإسرائيليين لتقديم التنازلات بخصوصها".
ورأى أنّه لعل أهم ما يوحي بأن الاتفاق ليس سيئاً، "هو الرفض الإسرائيلي الشديد له في البداية، الذي لم يتحول إلى موافقة لولا الضغط الأميركي الكبير الذي مورس في الساعات الأخيرة قبل التوقيع. أما الإشارة الثانية، فهي مسارعة القادة الإسرائيليين إلى نسج روايتهم الخاصة للاتفاق، التي لا تمت إلى الحقيقة بِصلة"، مبيّنًا أن "90 في المائة مما صرح به رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو ليس صحيحاً".
كما أفاد بأنّ "الرئيس الأميركي دونالد ترامب في اتصاله الأخير مع الرئيس عون، كان واضحاً جداً لجهة تبني مطالب لبنان بالانسحاب الإسرائيلي الكامل "رغم المشاغبات"، لافتًا إلى أن "ترامب أبدى استعداده للمساعدة في إعادة إنعاش لبنان، ووضعه على المسار الصحيح الذي يتضمن إعادة النازحين والإعمار وبسط سلطة الدولة بقواها الذاتية على كامل أراضيها، وهو مطلب لبناني قبل أن يكون مطلباً لأي أحد آخر".






















































