لفتت صحيفة "الأخبار" إلى أنّ "زيارة وزير الخارجية السورية أسعد الشيباني إلى بيروت لم تأتِ في إطار جولة اعتيادية، بل فرض توقيتها قراءة سياسية تتجاوز حدود العلاقات الدبلوماسية. وهي جاءت بعد أيام من توقيع "اتفاق العار" مع العدو، وسط حديث عن حاجة السلطة الى مواكبة عربية وإقليمية، ووسط استعادة دائمة لكلام الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن أن الرئيس السوري أحمد الشرع سيكون شريكاً في إنتاج واقع أمني وسياسي مختلف، وقد تقوم بما لم تقم به إسرائيل في لبنان".
وأوضحت أنّ "بحسب أجواء اللقاءات التي عقدها الشيباني مع الرؤساء الثلاثة جوزاف عون ونبيه بري ونواف سلام، فإنه كان حريصاً على القول إن "السلطة الجديدة ترغب في تقديم نفسها شريكاً في تثبيت الاستقرار، لا جزءاً من الأزمات". وتمثلت الرسالة السياسية في إعلان نهاية نموذج العلاقة الذي طبع العقود الماضية".
وأشارت الصحيفة إلى أنّ "المسؤولين السوريين تحدّثوا عن مرحلة جديدة قوامها الاحترام الكامل لسيادة كل دولة، والتعاون عبر المؤسسات الرسمية فقط. وهو ما عبر عنه عون وسلام، كما وجد صداه في موقف الرئيس السابق للحزب "التقدمي الاشتراكي" وليد جنبلاط، الذي اعتبر أن سقوط النظام السابق يفرض مقاربة مختلفة بالكامل للعلاقة مع دمشق، بعيداً عن حسابات الماضي".
وذكرت أنّ "الرسالة الأمنية أُجيب عنها في المؤتمر الصحافي في السراي، بعدما سُئل سلام عن كيفية تعامل بيروت مع أي ضغوط أميركية قد تتعلق بإسناد دور سوري في ملف سلاح حزب الله. فعمد رئيس الحكومة إلى منع الشيباني من التعليق على الأمر قائلاً: "لا أنا ولا أنت سنجيب... وسبق أن أجاب عن ذلك الرئيس الشرع".
كما ركّزت على أنّ "النقطة البارزة كانت في لقاء الشيباني مع بري، وهي الزيارة الأهم كما وصفها المتابعون. إذ إن اللقاء في عين التينة وحده كفيل في "تذليل الهواجس والمخاوف من أن يكون لسوريا دور أمني أو سياسي في لبنان"، وهي خطوة أولى في اتجاه الانفتاح على الشيعة عبر بري، وقد تتوسع لتطالع حزب الله، وهو ما لم ينفِه الشيباني الذي قال إن "ذلك ممكن أن يحصل في حال اقتضت مصلحة البلدين ذلك".
وأضافت الصحيفة: "نقل زوار بري عنه أن "الأخير كان مرتاحاً جداً للجلسة مع الشيباني"، وقد وصفه بأنه "مطلع وصادق بنواياه وأتى إلى لبنان لفتح علاقة مع كل اللبنانيين"، وأنه "أكد بأن كل ما يخرج على الإعلام يجب وضعه وراء ظهورنا"، فيما أكد بري أن "الشيباني لم يتحدث معه بموضوع حزب الله على الإطلاق".
وأفادت مصادر "الأخبار" بأنّ "الشيباني كان مقلاً في الكلام السياسي، واكتفى بتمرير إشارات مثل أن استقرار لبنان من استقرار سوريا، مقدماً شرحاً لرؤية سوريا الجديدة وتطلعاتها في العلاقات المشتركة، كما إحاطة مقتضبة للوضع الداخلي السوري، مروراً بالاعتداءات الإسرائيلية المستمرة على بلاده واحتلالها لجزء من الأراضي السورية وطموحاتها السياسية في المنطقة".
وكشفت أنّ "الشيباني أكد أن دمشق تبحث عن علاقات ندية وتعاون وتنسيق سياسي وأمني مع بيروت، تطوي صفحة الوصاية السابقة. فيما شدّد على ضرورة تعزيز أُطر التعاون بين البلدين، مركزاً على ضرورة التشبيك الاقتصادي وإيجاد صيغ للتكامل الاقتصادي"، مبيّنةً أنّه "نَقل تأكيد الرئيس السوري، على أنه يولي الجانب الاقتصادي الأهميّة القصوى لما له من مصلحة مشتركة في ظلّ التحديات التي تمر بها بيروت ودمشق، كما البدء في البحث عن مشاريع مشتركة".
ولفتت المصادر إلى أنّ "الشيباني تحدّث عن ضرورة تعزيز التعاون الأمني، مركزاً على ضبط الحدود ومنع التهريب، ومنوهاً بالجهود المشتركة التي تبذل في هذا الإطار. وركز أيضاً على "أهمية إقفال ملف الموقوفين السوريين في لبنان بتهم إرهابية، في ظل وجود نحو 25 موقوفاً لم تتسلمهم بلاده بعد بسبب عدم إنهاء ملفاتهم القضائية"، بينما وعده المسؤولون اللبنانيون بتسريع إنهاء هذا الملف، وكان هذا الأمر مدار بحث مع رئيس حزب "الكتائب اللبنانية" النّائب سامي الجميل".
وتابعت: "حرص الشيباني على نقل رسالة عن الشرع، تشير إلى عدم وجود أي نية بدخول القوات السورية إلى لبنان، لافتاً إلى أنّ أمام دمشق الكثير من التحديات الاقتصادية والأمنية الداخلية التي تجعل من هذا الأمر أقرب إلى المستحيل. وهي الرسالة نفسها التي كان قد نقلها رئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي إثر زيارته الأخيرة إلى سوريا، بعدما سمع من الشرع تشديده على أن هذا الأمر غير مطروح".
وأوضحت أنّه "مرر أيضا إشارة فهمت منها رفضه التطبيع مع إسرائيل بعد الحديث عن رفض غالبية الشعب السوري هذه الفكرة، وهو أيضاً ما فهم منه عدم استساغته فكرة توقيع اتفاق الإطار مع الكيان الصهيوني، فيما تقول بعض المعلومات إن أركان السلطة وصلتهم رسالة بأن النظام في دمشف لا ينظر إلى الاتفاق باعتباره إيجابياً".
إلى ذلك، علمت "الأخبار" أنّ "الجانب السوري كان قد رفض أن يزور الشيباني نظيره اللبناني يوسف رجي، واقترح بأن يكون اللقاء في قصر بعبدا، ومن دون أن يمانع في التوجه إلى معراب لعقد لقاء مع رئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع. وهو ما بدا مستغرباً في استجابة رئيس الجمهوريّة إلى طلب دمشق، وانضمام رجي إلى اللقاء الذي عقد بين عون والشيباني".
وأفادت مصادر متابعة للصحيفة، إلى أنّ "اللقاء مع النائبة السابقة بهية الحريري كان مدرجاً على جدول أعمال الشيباني، الذي رضخ لضغوط سعوديّة أفضت إلى إلغاء اللقاء قبل ساعات من حصوله".
"لجنة عليا" بين لبنان وسوريا تؤسس لمرحلة "التكافؤ والنديّة"
في سياق متصل، رأى مصدر وزاري لبناني لصحيفة "الشرق الأوسط"، أنّ الاتفاقيّة الّتي وقّعها رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام ووزير الخارجية السّوريّة أسعد الشيباني أمس، لإنشاء اللجنة العليا اللبنانية- السورية المشتركة، "تشكل إطاراً ناظماً وشاملاً للعلاقات الثنائية على مختلف المستويات السياسية والدبلوماسية والأمنية والاقتصادية"، مؤكّدًا أنّها "تستند إلى مبادئ واضحة تقوم على التكافؤ والندية الكاملة، والاحترام المتبادل بين البلدين، وتسوية أي خلافات عبر الأطر القانونية والمؤسساتية، إلى جانب مراعاة المصالح المشتركة للبلدين وشعبَيهما".
وأوضح أنّ "الاتفاقية الجديدة جاءت لتحل محل "معاهدة الأخوة والتعاون والتنسيق"، مشيرًا إلى أنّ "الاتفاقيات السابقة بين لبنان وسوريا مجمدة بالكامل، بناءً على طلب الدولة اللبنانية، باعتبار أنها أُبرمت في ظل اختلال واضح في موازين العلاقة كان يصب لمصلحة النظام السوري السابق، الذي فرض آنذاك هيمنة سياسية ودبلوماسية وأمنية واقتصادية على لبنان".
وذكر المصدر أنّ "الجانبين اللبناني والسوري كانا قد مهّدا لهذه الاتفاقية التاريخية، بالاتفاقية القضائية التي سمحت للبنان بتسليم السجناء السوريين المحكومين في لبنان، والشروع في تنفيذ مقتضياتها، ما عزز الثقة بين قيادتَي البلدين"، مشدداً على أن الاتفاقية "تعكس مقاربة مختلفة للعلاقة اللبنانية- السورية، تقوم على احترام سيادة كل دولة واستقلال قرارها، بعيداً عن الصيغ التي حكمت المرحلة السابقة، بما يؤسس لمرحلة جديدة من العلاقات، قوامها التعاون المتوازن، والشراكة القائمة على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل".






















































