"أيُّها المُرَصَّعُ بِالنُجومِ، آمِرُ النارَ وَسَيِّدُ الأكوانِ

يا شَمسُ، يا راعِيَ الحَياةِ

يا مَن يَطوفُ السَماءَ مِن طَرَفٍ الى طَرَفٍ

وَيَقودُ أبناءَ الزَمانِ..."

بتِلكَ الَلهفَةِ يُخاطِبُ إلَهُ آلِهَةِ الإغْريقِ، Ζεύς / Zeúsزِيوسُ، الإلَهَ-الإبنَ في الثالوثِيَّةِ الفينيقِيَّةِ-الُ​لبنان​ِيَّةِ: مِلكارتَ شَفيعَ ​صور​َ، على ما دَوَّنَهُ الشاعِرُ Νόννος ὁ Πανοπολίτης نونّوسُ البانوبوليُّ (القَرنُ الخامِسُ بَعدَ الميلادِ)، في مَلحَمَتِهِ Διονυσιακά / Dionusiaká المُكَوَّنَةِ مِن 24 نَشيداً بِقِسمَينِ.

وَمَن زِيوسُ؟ "أبُ الآلِهَةِ والبَشَرِ" هوَ πατὴρ ἀνδρῶν τε θεῶν τε. مِنَ الجَبَّارَينِ كرونوسَ وَرِيا، مَولودٌ، وَهوَ أصغَرُ أشِقَّائِهِ، إلَّا أنَّهُ أكبَرَهُمُ لِأنَّ سائِرَ إخوَتِهِ أخرَجَهُم هوَ مِن بَطنِ والدِهِمِ بَعدَما التَهَمَهُم. وَأكثَرُ، "حَتَّى الآلِهَةُ الَذينَ لَيسوا مِن صُلبِهِ يِدعونَهُ أباً، وَكُلُّهُمُ يَقومونَ عِندَ مَحضَرِهِ"، عَلى ما ذَكَرَ هوميروسُ. "جامِعُ الغُيومِ" Νεφεληγερέτα هوَ، وَمُحَرِّرُ السايكلوبِيِّينَ وَذَوي المِئَةِ ذِراعٍ والعَمالِقَةِ مِن تاتاروسَ (الجَحيمُ). وَفي ثيساليا، دارَتِ المَعرَكَةُ بَينَهُ وَكرونوسَ مَعَ المَرَدَةِ الَذينَ إنضَّموا إلَيهِ مِثلَ أوقيانوسَ وإبنَتِهِ ستيكسَ مَعَ أولادِها زيلوسَ (الحَماسَةُ) وَنِيكيِيِ (النَصرُ) وَبِيا (القُوَّةُ). لَكِنَّ الَذينَ حَرَّرَهُم ناصَروهُ، مُقَدِّمينَ لَهُ الصَواعِقَ الَتي غَدَت سِلاحَهُ... إستَدامَتِ المَعرَكَةُ عَشْرَ سَنواتٍ، حَتَّى إنتَصَرَ وَأبعَدَ كرونوسَ والِدَهُ وَحُلَفاءَهُ الى تارتاروسَ، وَتَرَبَّعَ عَلى عَرشِ الأوليمبَ.

وَمَن مِلكارتُ؟ هوَ الإلَهُ-الإبنُ، لِلإلَهِ-الأبِ إيلَ. الشَفيعُ-الحارِسُ لِصورَ. وَإسمُهُ "مِلْكْ" (المَلِك) وَ"كارْتْ" (الحاضِرَةُ) يَعني "مَلِكُ الحاضِرَةِ". وَقَد ظَلَّت عِبادَتُهُ قائِمَةً حَتَّى القَرنِ الرابِعِ الميلادِيّ، حَيثُ كانَ يُحتَفَلُ بِمَوتِهِ وَقِيامَتِهِ سَنَوِيَّاً، رَمزاً لِلتَجَدُّدِ. والمؤَرِّخُ الإغريقِيُّ Ἡρόδοτος / Hēródotos ​هيرودوتس​ُ وَصَفَ هَيكَلَهُ حينَ زارَ صورَ في القَرنِ الخامِسِ ق. م.، في مُؤَلَّفِهِ الضَخمِ Ἱστορίαι / Historíai "التواريخِ"، بِأنََهُ أقدَمُ المَعابِدَ، مُؤَكِّداً عَبرَ شَهادَةِ الكَهَنَةِ أنَّ بِناءَهُ يَعودُ لِأكثَرَ مِن ألفَي عامٍ قَبلَ زِيارَتِهِ. وَذَكَرَ أنَّهُ يَحتَوي عَلى عامودَيِن عَظيمَينِ، أحَدُهُما مِنَ الذَهَبِ الخالِصِ (رَمزُ الخُلودِ وَأبَدِيَّةِ القَداسَةِ) وَالآخَرُ مِنَ الزُمُرُّدِ الخالِصِ (رَمزُ نُمُوِّ الحَياةِ والتَوازُنِ بَينَ المَوتِ الجَسَديِّ وإنبِعاثِ أبَدَ الحَياةِ المُنتَصِرَةِ عَلَيهِ).

إرتِواءُ الكِفايَةِ

هوَ زِيوسُ-القُوَّةُ إذاً يَنحَني أمامَ هَذا المِلكارتَ-الفينيقِيّ، مُعتَرِفاً بِكيانِيَّتِهِ في رِعايَةِ الحَياةِ: بِلَهيبِ الأبَدِ، الحُبِ إذ هوَ القُوَّةُ-الحَقُّ في صَميمِ الخَلقِ والخَليقَةِ... مَهما تَهافَتَت قُوَّةٌ أرضِيَّةٌ عَلى تَسطيرِ بُطولاتٍ.

أعَجَبٌ أن يَمَتدِحَ إلَهُ آلِهَةِ المَغارِبَ، مُرسِلِ والِدِهِ، صُنوِ الجَرائِمَ المُرَوِّعَةِ، الى الجَحيمِ، الإلَهَ-الإبنَ الفينيقِيَّ-الُلبنانِيَّ بِتَماجيدَ إستِمَدَّها مِن صَلابَةِ إتِّحادِهِ لا بَل وِحدَتِهِ بِالخالِقِ أبيهِ؟

في مَدائِحِهِ-الإعتِرافِ، زِيوسُ يُدينُ نَفسَهُ وَإباهُ. كِلاهُما في غُربَةٍ عَنِ بَعضِهِما، وَعَنِ الحَقِّ-الحَقيقَةِ. كُلٌّ مِنهُما نَقيضُ الوجودِ والجَوهَرِ في آنٍ. وَحدَهُ بَينَ الإنسانِيَّاتِ والأُلوهَةِ التي هوَ مِنها، يَعلو مِلكارتُ-الإبنُ، عَلى الأكوانِ والزَمانِ. وَمِن مُعُنِهما، قيادَتُهُ... بِأبيهِ.

في ذَلِكَ إرتِواءُ الكِفايَةِ. هوَ والأبُ جَوهَرٌ واحِدٌ، كَما في إسمِهِ-الوجودِ لامَحدودِيَّةُ العَطاءِ لا الأخذِ.

قُلّ: في كِفايَتِهِ، إرتِواءُ كيانِيَّةِ حَياةِ لبنانَ، مُذ تَكَوَّنَت مِنَ الزَمانِ في الأكوانِ. وَعُصارَةُ حَياتِهِ لبنانُ في ثالوثِيَّتِها الألَهِيَّةِ، (مَتى أضَفنا الى أُقنومَيها ‒الأبُ، والإبنُ‒، أقنومَها الثانيَ: الأُمُّ)، إلتِهابُ عُصارَةِ الحَياةِ بِتأبيدِها... مِن نَشأتِها الى رؤاها وَطُموحاتِها، فَتَحَدِّياتِها.

أكِّد: مِن كِفايَةِ إرتِواءِ صورَ الشَفيعَةِ، عِنايَةُ الحَياةِ بِماهِيَّتِها كَجَوهَرِ-أبَدٍ، مُتَراكِمٍ... أباطيلُ قُوَّةِ العَداوَةِ، والبَطشِ، والجَشَعِ، والتَرهيبِ، تَنحَني في النِهاياتِ لَها، مُعتَرِفةً خاضِعَةً لِقُوَّتِها-الحَسمِ.