على الرغم من أن المواقف الداخلية من ال​اتفاق الإطاري​ بين ​لبنان​ و​إسرائيل​ كانت واضحة منذ اليوم الأول، فإن ما يستحق التوقف عنده هو حالة الجمود الكامنة في التعامل معه، الأمر الذي يعكس مأزقاً داخلياً عميقاً، قد تكون له تداعيات كبرى في المرحلة المقبلة، في ظل عدم القدرة على الخروج منه بسبب التباعد في مقاربات الأفرقاء المعنيين.

في هذا السياق، قد يكون العنوان الأبرز طريقة تعامل القوى المعارضة لهذا الاتفاق، أكثر من الأفرقاء المؤيدين له، على اعتبار أن الفريق الأول هو الذي كان من المفترض به أن يكون معنياً بالمبادرة، لكنه فضل التعامل معها على قاعدة أنها منعدمة الوجود، وبالتالي ليس هناك ما يستدعي أكثر من المواقف السياسية المعروفة. لكن من الناحية العملية، لا يلغي ذلك وجود الاتفاق الذي يحظى بدعم العديد من الجهات الإقليمية والدولية.

بالنسبة إلى مصادر سياسية متابعة، تستطيع القوى المعارضة أن تبقى تردد معادلة الرهان على مسار ​المفاوضات الأميركية الإيرانية​ إلى ما لا نهاية، إلا أنها لا يمكن أن تنكر أن الاتفاق الإطاري فرض واقعاً جديداً، على الأقل في النظرة الرسمية المتبادلة بين الجانبين اللبناني والإسرائيلي، اللذين يتفقان، بشكل أو بآخر، على عنوانين رئيسيين: الأول العمل على إنهاء الصراع بشكل كامل، أما الثاني فهو العمل على معالجة ملف سلاح "​حزب الله​".

من وجهة نظر هذه المصادر، المعادلات في هذه الحرب لا تُقاس فقط بما هو قائم على المستوى العسكري، بل أيضاً بما يحيط به من الناحية السياسية على المستويين المحلي والإقليمي، حيث لا يمكن تجاهل أن الثنائي الشيعي في الداخل ليس لديه حليف قوي يمكن الاستناد إليه، بالرغم من الملاحظات التي لدى بعض الأفرقاء على بنود الاتفاق الموقع مع تل أبيب. وهو ما ينطبق أيضاً على المستوى الإقليمي، حيث مواقف غالبية الجهات المؤثرة من مستقبل سلاح "حزب الله" واضحة، باستثناء طهران التي لديها رؤية مغايرة.

البحث في هذا الواقع يتطلب العودة إلى الوراء بعض الشيء، من أجل فهم الأسباب الحقيقية التي قادت إلى المعادلات الحاكمة في مسار الأحداث الراهنة، تحديداً لناحية عدم القدرة على المبادرة إلى تحرك داخلي فاعل، على عكس ما كان يتوقعه الكثيرون.

هنا، تذهب المصادر السياسية المتابعة إلى الإشارة إلى أن هناك في الداخل اللبناني من سارع إلى الحديث عن أجواء مشابهة لاتفاق 17 أيار، على اعتبار أن رئيس المجلس النيابي ​نبيه بري​ تولى قيادة الجبهة السياسية المعارضة منذ اللحظات الأولى، في حين بادر الرئيس السابق للحزب "التقدمي الاشتراكي" ​وليد جنبلاط​ إلى الإعراب عن ملاحظات جوهرية لديه، كما جرى التعامل مع رئيس "التيار الوطني الحر" ​جبران باسيل​ على أنه من الممكن أن يكون جزءاً من المواجهة.

وتشير هذه المصادر إلى أن الموقف الأبرز على الساحة اللبنانية في هذا المجال جاء من جنبلاط نفسه، الذي أعلن صراحة أنه لن يكون جزءاً من ائتلاف لإسقاط الاتفاق، إلا أنها ترى أن القراءة الأدق جاءت من رئيس حزب "القوات" ​سمير جعجع​، الذي أشار إلى الواقع السوري الجديد، من خلال التذكير بأن من أسقط اتفاق 17 أيار كان الرئيس الراحل ​حافظ الأسد​، وذلك للتلميح إلى غياب البيئة الإقليمية المساندة، الأمر الذي يتجاهله الفريق المعارض أو يتجنب المجاهرة به.

في المحصلة، تلفت المصادر نفسها إلى أن من المفارقات اللافتة الرهانَ الذي لدى بعض الجهات على إمكانية أن تلعب ​تركيا​ هذا الدور، من منطلق أنها باتت في صراع مفتوح على النفوذ مع إسرائيل، حيث ترى أن هذه المقاربة تشبه إلى حد بعيد تلك التي كانت تروج لسقوط النظام السوري السابق على أنه لن يغير المعادلات، من منطلق أنه لم يكن أكثر من ممر يمكن تعويضه بسهولة.