أثار تصريح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو، الذي زعم فيه أن قرى مسيحية في جنوب لبنان طلبت الانضمام إلى إسرائيل، موجة واسعة من الرفض والاستغراب، ليس فقط لأنه يفتقر إلى أي دليل أو موقف معلن من تلك القرى، بل لأنه يتناقض مع تاريخ طويل من صمود المسيحيين من أبناء الجنوب وتمسكهم بأرضهم وهويتهم اللبنانية. فمنذ الاجتياح الإسرائيلي الأول عام 1978، مروراً باجتياح عام 1982، وصولاً إلى التحرير عام 2000، لم يشهد الجنوب يوماً مشروعاً جماعياً يدعو إلى الالتحاق بإسرائيل، بل عرف رجال دين ورؤساء بلديات وأهالي دفعوا أثماناً باهظة دفاعاً عن أرضهم ورفضاً للتخلي عن انتمائهم الوطني.
ويرى كثيرون أن هذه التصريحات تأتي في إطار محاولة الإيحاء بأن المسيحيين في الجنوب يبحثون عن حماية إسرائيل، في وقت تؤكد فيه الوقائع التاريخية أن أبناء القرى الحدودية تمسكوا بالدولة اللبنانية، رغم سنوات الاحتلال والحروب والإهمال.
مسيحيو الجنوب ومقاومة الاحتلال
شكّلت بلدات مرجعيون، والقليعة، ورميش، وعين إبل، ودبل وغيرها من القرى المسيحية الحدودية نموذجاً للصمود في وجه الاحتلال الإسرائيلي. فعلى الرغم من التهجير والدمار والظروف الأمنية القاسية، بقيت هذه البلدات مأهولة إلى حد كبير، وتمسك أهلها بالبقاء في أرضهم، معتبرين أن الصمود فيها هو شكل من أشكال المقاومة.
وفي حديث مع "النشرة"، تروي جورجين نعمة الله، مالكة صيدلية في مرجعيون بقيت في منطقتها رغم الحرب، جانباً من هذه المعاناة، مؤكدة أن أبناء القرى الحدودية لم يفكروا يوماً بالتخلي عن لبنان.
وتقول: "لا أحد في القليعة يقبل أن يحكمه أجنبي، والجيش اللبناني هو ضمانتنا، وعندما بقي الجيش في البلدة ارتحنا."
وتشير إلى أن بقاء المسيحيين في القرى الحدودية لم يكن مجرد قرار فردي، بل قضية حظيت باهتمام الكنيسة والفاتيكان، مضيفة: "لو غادرنا قرانا لكان من الأسهل على الإسرائيلي أن يدمر كل شيء ويصبح الجنوب أرضاً محروقة. ما يترك الجنوب للبنان هو بقاء المسيحيين فيه."
وتلفت إلى أن الحياة اليومية تحولت إلى معركة صمود حقيقية، موضحة أنها، بصفتها مالكة صيدلية، تضطر منذ عام 2023 إلى نقل الأدوية من بيروت على نفقتها الخاصة بعدما رفضت شركات الأدوية إرسال موظفيها بسبب القصف، فيما امتنعت شركات التأمين عن تغطية هذه العمليات.
وتقول: "نجمع الأدوية في بيروت ونحضرها بأنفسنا إلى القليعة... أليس هذا أيضاً مقاومة من أجل البقاء؟"
وتختصر هذه الشهادة جانباً من واقع آلاف العائلات التي قررت البقاء في قراها، معتبرة أن التشبث بالأرض هو الرد العملي على كل محاولات تفريغ المنطقة من سكانها.
رميش... نموذج للتجذّر بالأرض
وتُعد بلدة رميش من أبرز النماذج التي تعكس تمسك القرى المسيحية بأرضها. فعلى الرغم من موقعها الحدودي وما تعرضت له من اعتداءات متكررة، بقيت البلدة مأهولة، ورفض أهلها مغادرتها أو التخلي عن أراضيهم، كما رفضوا كل محاولات الزج باسم البلدة في أي مشروع سياسي يخالف انتماءها الوطني.
وفي هذا السياق، أكد رئيس بلدية رميش رمزي حنا أن "البلدات المسيحية الحدودية هي قلب لبنان النابض"، رافضاً بشكل قاطع كل المزاعم التي تحدثت عن رغبة هذه القرى بالانضمام إلى إسرائيل.
الكنيسة متمسكة بلبنان
وتنسجم مواقف الكنيسة مع هذا التاريخ الطويل من الصمود. ففي حديث مع "النشرة"، أكد المطران الياس نصار أن "المسيحيين في الجنوب صمدوا في أرضهم وقاوموا، وهم يريدون العيش بسلام ويؤمنون بالعيش المشترك، مع فارق بسيط جداً، أنهم يريدون البقاء في أرضهم، لكنهم لا يريدون المواجهة مع إسرائيل، وفي الوقت نفسه لا يقبلون أن تحتلهم إسرائيل."
واعتبر نصار أن تصريحات نتنياهو لا تهدف إلا إلى زرع الفتنة بين اللبنانيين، قائلاً: "كل الكلام الذي صدر عن رئيس الوزراء الإسرائيلي هو فقط لزرع الفتنة، ويحاول الإيحاء بأن المسيحيين في الجنوب محسوبون على إسرائيل، بينما البقية لا، وهذا كلام فتنوي وغير صحيح، وهدفه خلق شرخ بين الناس."
وأضاف أن أبناء الشريط الحدودي "ليسوا محسوبين على أحد، بل هم محسوبون فقط على الدولة، رغم أنها تركتهم ولم تلتفت إليهم".
تاريخ صمود لا ارتهان
ولا يختصر تاريخ المسيحيين في الجنوب بالمواقف التي أُعلنت اليوم، بل يمتد إلى عقود من الصمود خلال الاحتلال الإسرائيلي. فقد عرف الجنوب شخصيات دينية ووطنية ورؤساء بلديات وأهالي دفعوا أثماناً كبيرة دفاعاً عن أرضهم وتمسكهم بلبنان، فيما بقيت القرى المسيحية الحدودية عنواناً للثبات رغم الاحتلال والتهجير والحروب.
ورغم وجود أفراد انخرطوا في جيش لبنان الجنوبي خلال سنوات الاحتلال، فإن ذلك لم يتحول يوماً إلى موقف يمثل القرى المسيحية أو مرجعياتها الدينية والسياسية، كما لم يشكل مشروعاً جماعياً يعبر عن أبناء الجنوب، الذين بقيت غالبيتهم متمسكة بلبنان وبقيام الدولة على كامل أراضيها.
التاريخ أقوى من الدعاية
ربما يحاول نتانياهو اليوم رسم صورة توحي بأن مسيحيي الجنوب يبحثون عن حماية إسرائيل، لكن الوقائع التاريخية تروي قصة مختلفة. فمنذ بداية الاحتلال الإسرائيلي عام 1978، مروراً باجتياح عام 1982، وصولاً إلى التحرير عام 2000، بقيت غالبية القرى المسيحية الجنوبية متمسكة بهويتها اللبنانية، ورفضت مشاريع التقسيم والضم، معتبرة أن مستقبلها لا يكون إلا ضمن الدولة اللبنانية.
لقد أثبت تاريخ الجنوب أن الانتماء الوطني كان أقوى من ظروف الاحتلال والحرب. فالمسيحيون الذين بقوا في قراهم الحدودية دفعوا ثمناً باهظاً من أمنهم وأرزاقهم، لكنهم لم يبدلوا هويتهم الوطنية. لذلك تبدو مزاعم نتانياهو اليوم محاولة لإعادة كتابة التاريخ بما يخدم أهدافاً سياسية آنية، فيما تبقى الوقائع وشهادات أبناء الجنوب أنفسهم أصدق من أي رواية دعائية.




















































