حين وصل وزير الدفاع ميشال منسى إلى طهران لتمثيل الجمهورية اللبنانية في مراسم التأبين الرسمية للمرشد الأعلى الإيراني الراحل السيد علي خامنئي، بدا للوهلة الأولى وكأنه تفصيل بروتوكولي عابر ضمن موجة التعازي الدولية الواسعة التي شهدتها العاصمة الإيرانية. لكن توقيت هذه المشاركة وسياقها الإقليمي المشحون منحاها أبعاداً تتجاوز الصورة البروتوكولية المعلنة. فالخطوة جاءت في لحظة دقيقة من المسار اللبناني: الدولة منخرطة في تفاوض مباشر مع إسرائيل برعاية أميركية، ووقّعت اتفاق إطار يتضمن بنوداً حول الانسحاب الإسرائيلي وعودة النازحين، ورئيس الجمهورية العماد جوزاف عون يستعد لزيارة رسمية إلى واشنطن (كما يتردد) للقاء الرئيس دونالد ترامب. في موازاة ذلك، ثمة حديث متكرر عن تشكيل خلية أو لجنة ثلاثية تضم واشنطن وطهران وبيروت بهدف تثبيت وقف الأعمال العدائية ومتابعة التزامات حزب الله ضمن مذكرة التفاهم الأميركية-الإيرانية. في هذا السياق، يصعب النظر إلى أي خطوة لبنانية تجاه إيران بمعزل عن شبكة العلاقات الثلاثية المعقدة التي تحكم الملف.
اعتمد التبرير الرسمي اللبناني لغة واضحة: المشاركة جاءت في إطار جنازة رجل دين ومرشد، وليست موقفاً سياسياً. وبدا اختيار الوزير منسى (المحسوب على الرئيس عون) محاولةً لضبط مستوى التمثيل بما يكفي لأداء الواجب البروتوكولي، من دون منحه طابعاً سياسياً قد يُقرأ بشكل خاطئ، لا سيما أمام حساسية اللحظة الأميركية التي تُعلن فيها إدارة ترامب الفصل التام بين الملف اللبناني والملف الإيراني، وألا يكون للأخيرة أي دور في تقرير مستقبل بيروت.
يفتح هذا التوازن الدقيق الباب أمام قراءتين متعارضتين. من جهة، يمكن النظر إلى الخطوة كحلقة ضمن منطق أوسع: فاللجنة الثلاثية، إن وجدت فعلاً وعملت كما يُتحدث عنها، تفترض أن تجعل طهران تمارس ضغطاً على حزب الله ضمن تفاهم مع واشنطن، وهو ما يستلزم من إيران الحفاظ على غطاء رمزي لدى حلفائها بأنها لم تتخلَ عن علاقتها ببيروت. وعليه، فإن حضوراً لبنانياً رسمياً، ولو محدود المستوى في جنازة كهذه، قد يخدم هذا التوازن من دون أن يُصنَّف انحيازاً.
ومن جهة أخرى، يمكن قراءة الأمر بشكل معاكس تماماً. الصورة نفسها، بغض النظر عن نيّتها، تصطدم شكلياً بخطاب "الفصل الكامل" الذي يتمسك به المسؤولون الأميركيون، وقد تمنح من ينتقدون الانخراط اللبناني المطلق في السياسة الأميركية، حجة إضافية، أو تثير تساؤلات داخل أوساط أميركية غير رسمية حول تناغم الموقف اللبناني.
غير أن هذا التأويل ليس الوحيد الممكن. فكما لا يمكن استبعاد أن تثير الصورة تحفظات لدى بعض الأوساط السياسية الأميركية، ولا سيما داخل الكونغرس وإن كان ذلك غير مؤكد، لا يمكن أيضاً استبعاد فرضية مقابلة مفادها أن مستوى التمثيل اللبناني جاء ضمن هامش مقبول لدى الإدارة الأميركية، أو على الأقل من دون اعتراض مباشر، إذا كانت واشنطن ترى أن الحفاظ على الحد الأدنى من القنوات البروتوكولية مع طهران لا يتعارض مع مسار التفاهمات المرتبطة بالملف اللبناني.
اللافت أن المشاركة لم تقتصر على الحضور الرمزي، إذ التقى منسى على هامش المراسم نظيره الإيراني بالوكالة، الذي تحدث عن "احترام سيادة لبنان" وعن تطلع طهران إلى "علاقات متوازنة" مع دول المنطقة. بقيت تصريحات الجانبين المعلنة في الإطار الدبلوماسي البحت، دون أي إشارة رسمية إلى بحث ملفات أمنية أو عسكرية مرتبطة بما يُتداول عن لجنة ثلاثية أو ملف سلاح حزب الله. غير أن وجود لقاء ثنائي فعلي بين وزيري دفاع في هذا التوقيت بالذات يجعل من الصعب استبعاد أن تكون بعض الملفات الإقليمية قد حضرت على هامش الحديث، حتى لو لم يُعلَن عنها، وهو نمط متكرر في لقاءات مماثلة حيث يبقى البيان الرسمي محايداً بينما تدور نقاشات جانبية غير موثقة.
إزاء كل ذلك، يبدو أن هذه المشاركة تختصر، بصورة مصغّرة، المعضلة التي يعيشها لبنان الرسمي: التوفيق بين إدارة علاقات متعددة مع أطراف متنافسة إقليمياً ودولياً، وتأويلات متضاربة تتقاطع فيها حسابات الداخل مع محدّدات الخارج.























































