لم يعد الحديث عن أزمة القوى البشرية في الجيش الإسرائيلي مجرد مادة تتداولها الصحافة أو ورقة ضغط في السجال السياسي، بل تحوّل إلى توصيف تتبنّاه المؤسسة العسكرية نفسها التي تعترف بأنها تواجه نقصاً يقارب 12 ألف جندي، بينهم نحو 7 آلاف مقاتل و5 آلاف في الوظائف المساندة. في المقابل، تُقلّل بعض أوساط اليمين والائتلاف الحاكم من حجم الأزمة، معتبرةً أن القيادة العسكرية تُضخّم الأرقام للضغط نحو توسيع التجنيد، ولا سيما في صفوف "الحريديم".
لكن جوهر المشكلة يتجاوز هذا الجدل السطحي؛ إذ بات يتعلق بقدرة الجيش على الحفاظ على جاهزيته في ظل حرب طويلة متعددة الجبهات. فإسرائيل ما زالت تحتفظ بتفوق واضح في سلاح الجو والاستخبارات والتكنولوجيا، غير أن هذا التفوق لا يُغني عن العنصر البشري القادر على تشغيله وعلى بسط السيطرة الميدانية فعلياً.
وتتضاعف الضغوط مع استمرار توزيع القوات بين قطاع غزة والضفة الغربية والجبهة الشمالية، إلى جانب الاستعداد الدائم لاحتمال توسع المواجهة مع إيران واليمن. ومع تعدد هذه الالتزامات، يتقلّص هامش المناورة أمام القيادة العسكرية الإسرائيلية، ويزداد الحفاظ على الجاهزية تعقيداً، خصوصاً في ظل الاعتماد المكثف على قوات الاحتياط التي تُشكّل بحدّ ذاتها معضلة يصعب حلها.
فقد انخرط عناصر الاحتياط منذ عام 2023 في الجهد العسكري الرئيسي، ومع تكرار الاستدعاءات وإطالة فترات الخدمة، ارتفعت مؤشرات الإرهاق النفسي والاقتصادي والعائلي، وتراجعت الرغبة في مواصلة الخدمة، كما ازدادت صعوبة الاحتفاظ بالضباط وأصحاب الخبرات داخل المؤسسة. وهذه عوامل لا تبدو آثارها فوراً في الميدان، لكنها تؤثر تدريجياً في كفاءة الجيش واستدامة أدائه.
والدليل الأكثر وضوحاً على ذلك يتجلى على الجبهة الجنوبية للبنان، حيث يواصل رؤساء السلطات المحلية وسكان المستوطنات الحدودية الشمالية التعبير عن شعور متنامٍ بعدم كفاية الحماية، أي عدم الثقة بقدرة الجيش الإسرائيلي على توفير أمن دائم، وهو عنصر أساسي في العقيدة الأمنية الإسرائيلية. فنجاح أي منظومة دفاعية لا يُقاس بمنع الاختراقات وحسب، بل أيضاً بإبقاء السكان في مناطقهم وإقناعهم بأن حمايتهم مضمونة على المدى البعيد.
وتُفسّر هذه المعطيات حساسية العلاقة بين القيادة العسكرية والقيادة السياسية في المرحلة الراهنة. فالخلاف بين رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو ورئيس الأركان إيال زامير لا يقتصر على إدارة العمليات أو توقيتها، بل يمتد إلى تقدير حدود القدرة العسكرية ذاتها. وصحيح أن نتنياهو لم يتردد خلال السنوات الأخيرة في إجراء تغييرات في مواقع أمنية وسياسية رفيعة حين تتفاقم الخلافات، إلا أن التعامل مع منصب رئيس الأركان يختلف اختلافاً جوهرياً عن التعامل مع المناصب السياسية. فاستقالة هرتسي هاليفي جاءت في سياق تحمّله المسؤولية عن إخفاقات عملية "طوفان الأقصى"، ولم تكن إقالةً مباشرة. كما أن استبدال زامير لن يُغيّر الواقع إن بقيت معطيات النقص البشري واستنزاف الاحتياط على حالها، لأن أي قائد جديد سيواجه القيود ذاتها.
وعلى الصعيد السياسي، تتجاوز تداعيات الأزمة حدود المؤسسة العسكرية لتطال مستقبل الحكومة نفسها. فالجيش يطالب بتوسيع قاعدة التجنيد، بينما يعتمد نتنياهو على أحزاب حريدية ترفض أي تعديل جذري في نظام الإعفاءات، فتتحوّل أزمة القوى البشرية إلى معضلة ائتلافية يصطدم فيها ما تعدّه القيادة العسكرية ضرورةً أمنية بما تفرضه توازنات الحكم من حسابات سياسية وانتخابية.
ولا يزال الجيش الإسرائيلي يمتلك قدرة الردع، لكنه يواجه ضغوطاً متزايدة للحفاظ على هذا التفوق في ظل استنزاف بشري مستمر وتعدد ساحات المواجهة. وإذا اتّسعت الفجوة بين ما تطلبه القيادة السياسية وما ترى القيادة العسكرية أنها قادرة على تنفيذه، فإن التداعيات لن تقتصر على الجاهزية العسكرية، بل ستمتد إلى المشهد السياسي الداخلي حيث يتداخل الأمن بالانتخابات، وتتحوّل قرارات الحرب والتجنيد إلى عوامل مؤثرة في مستقبل الحكومة ذاتها.