على الرغم من أن الكنيست الإسرائيلي صوّت في قراءة أولى على مشروع قانون لحل البرلمان، وهي خطوة إجرائية أولى نحو إجراء انتخابات مبكرة، لا يزال المشروع بحاجة إلى المرور بمراحل التصويت في القراءتين الثانية والثالثة ليصبح قانونا نافذا. وفي كل الأحوال، تنتهي ولاية الكنيست الإسرائيلي الحالي رسميا في تشرين الأوّل المقبل. فهل ستطوى في هذه الانتخابات المُرتقبة صفحة رئاسة بنيامين نتنياهو للحكومة بشكل نهائي؟
بداية لا بُد من استعراض أبرز منافسي نتنياهو على رئاسة الحكومة الإسرائيلية المقبلة، وهم: غادي آيزنكوت، رئيس أركان الجيش الأسبق ومؤسس حزب "يشار" الوسطي، ويائير لابيد، الذي يُعدّ زعيم المعارضة ورئيس حزب "هناك مستقبل"، ونفتالي بينيت، رئيس الوزراء الأسبق، وبيني غانتس، وزير الحرب السابق وزعيم "المعسكر الوطني"، و أفيغدور ليبرمان، زعيم حزب "إسرائيل بيتنا". إشارة إلى أن أيزنكوت، يبرز بكونه أحد أقوى المنافسين، ويبني حملته على تعهّد بتشكيل لجنة تحقيق رسمية للوقوف على أسباب الإخفاق الذي حدث في 7 أكتوبر، والتركيز على تخصيص ميزانيات ضخمة لإعمار الجنوب والشمال، وتوسيع صفوف الجيش، وإعطاء الأولوية للجنود في الحقوق المدنية، وإعداد إستراتيجية أمنية واضحة للتعامل مع التهديدات الإقليمية. لكنّه لا يستطيع وحده تشكيل أي حكومة، وتُوجد توقّعات بأنه في حال فوز المعارضة فإن الحكومة المقبلة ستكون بقيادة تحالف يضم شخصيات مثل بينيت ولابيد، أو ائتلاف بمشاركة غانتس أو آيزنكوت.
في كل الأحوال، ليس بسرّ أن حزب "الليكود" بزعامة نتنياهو يشهد تراجعا مستمرا في شعبيته، في مقابل صعود وجوه جديدة، لا سيّما آيزنكوت وبينيت. وتُرجّح استطلاعات الرأي العام في إسرائيل تفوّق معسكر المعارضة على معسكر الائتلاف الحاكم بقيادة نتنياهو، لكنّ هذه الأفضليّة لا تزال حتى تاريخه محدودة وبفارق طفيف، وهي يمكن أن تتغيّر تبعًا للتطورات خلال الأسابيع القليلة المقبلة، حيث أنّ المواجهات الأمنية المُتجدّدة في المنطقة على خلفية النزاع على مضيق هرمز، تجعل كامل الوضع في الشرق الأوسط مفتوحا على مختلف السيناريوهات، عسكريا وسياسيا. إشارة إلى أنه من أجل التمكّن من تشكيل حكومة في إسرائيل، يحتاج أي معسكر إلى أغلبية مطلقة داعمة لا تقلّ عن 61 مقعدًا من أصل 120 مقعدا في الكنيست. وبحسب أحدث الاستفتاءات، جرى ترجيح ما يلي:
أوّلا: أن ينال معسكر الائتلاف الحاكم حاليا بقيادة نتنياهو ما بين51 و53 مقعدا.
ثانيا: أن ينال معسكر أحزاب المعارضة ما بين 57 و61 مقعدا.
ثالثا: أن تنال الأحزاب العربية ما بين 8 و10 مقاعد.
وبما أن الأحزاب العربية لا تُحسب عادة ضِمن أيّ من المعسكرين عند الحديث عن فرص تشكيل حكومة إسرائيلية، فإن تمكّن أي من الفريقين الرئيسيّين من الفوز بالحكم سيعتمد بالدرجة الأولى على النسبة المئوية التي بلغها، وعلى نتائج الأحزاب الصغيرة التي يمكن الاستعانة بأصواتها، وعلى طبيعة التحالفات التي سيكون نسجها مُتاحا بعد الانتخابات.
وبغضّ النظر عن هويّة الجهة التي يمكن أن تفوز في الانتخابات الإسرائيلية المقبلة، فإن ما يهمّنا في لبنان يتمثّل في السياسة المرتقبة. وفي هذا السياق، وفي حين أن حكومة نتنياهو تُشدّد على مسألة نزع سلاح "حزب الله"، والإبقاء على ترتيبات أمنية صارمة عند الحدود، فإن قوى المعارضة تتفق على ضرورة منع تعاظم قوّة "الحزب"، لكنها تقول إنها ستدير الملف بتنسيق أوثق مع الحلفاء، وباعتماد خطة سياسية أوضح. وبالنسبة إلى إيران، وبينما تنتهج حكومة نتنياهو سياسة هجومية جدا، مع استعداد لاستخدام القوة العسكرية بشكل واسع، تتفق المعارضة مع نتنياهو على أن إيران تُشكّل التهديد الأوّل لإسرائيل، لكنها تنتقد إدارة نتنياهو للحرب أكثر من اعتراضها على مبدأ المواجهة. وحتى في ما خصّ الملف الفلسطيني، وفي حين تضمّ حكومة نتنياهو أحزابا ترفض إقامة دولة فلسطينية، وتدعم توسيع الاستيطان، لا يُنتظر حُصول تحوّل جذري في حال فوز أحزاب المعارضة، علما أن لابيد يؤيد مبدأ الانفصال السياسي عن الفلسطينيين، بينما بينيت يعارض إقامة دولة فلسطينية. وفي ما خصّ العلاقات الدَولية، المعروف أن فترة حكم نتنياهو شهدت علاقات متوترة مع عدد من الحلفاء الغربيين في فترات مختلفة بسبب أسلوب إدارة الحروب والسياسات الداخلية المعتمدة، بينما تُركّز المعارضة في وعودها الانتخابية على تحسين العلاقات مع الولايات المتحدة وأوروبا وخفض العزلة الدبلوماسية، مع الحفاظ على الأهداف الأمنية الأساسية.
في الخلاصة، من الواضح أن انتظار نتائج الانتخابات الإسرائيلية هو مضيعة للوقت، والرهان على سقوط نتنياهو لن يُغيّر شيئا، فقد تراجعت قُدرات أحزاب اليسار، مثل حزبي "العمل" و"ميريتس"، التي كانت تدعو مثلا إلى حلّ الدولتين وإحلال السلام في الشرق الأوسط، وصارت المنافسة الجدّية في إسرائيل محصورة حاليا بين قوى يمينية تختلف في أسلوب الإدارة، علما أنها كلّها تُصنّف مُتشدّدة وتُعوّل على مبدأ القوّة العسكريّة وهي غير مستعدة بالتالي لأي تسويات منصفة!





















































