حين تعصف الحروب بالمنطقة، وتمتد ألسنة اللهب من غزة إلى لبنان، ومن سوريا إلى المواجهة المباشرة مع إيران، يميل المراقبون غالباً إلى افتراضات مسبقة حول كيفية تفاعل الداخل الإسرائيلي مع هذه العواصف. الفرضية الكلاسيكية في العلوم السياسية تقول إن "الحرب توحد الصفوف"، وتفترض أن الناخب الإسرائيلي سيمنح زعيمه ورقة بيضاء طالما أن الصواريخ تتساقط. لكن حين نقرأ ما بين سطور الاستحقاق الانتخابي الإسرائيلي المقبل، ونغوص في الديناميات البنيوية للمجتمع الإسرائيلي، نكتشف أن هذه الافتراضات ليست فقط قابلة للتفنيد، بل إنها تنقلب رأساً على عقب.
فالانتخابات الإسرائيلية المقبلة لا تُقرأ من خلال عدسة "الانتصار العسكري" المزعوم، بل هي استحقاق معقد يتقاطع فيه العمل الاستراتيجي، معضلة الوضع الداخلي في غزّة، والانهيار الاقتصادي، مع أوهام المعارضة. ولتفكيك هذا التشابك، يجب أن نتحدى ثلاث فرضيات سائدة، لنصل إلى قراءة موضوعية لمآلات ما بعد صندوق الاقتراع.
في الفرضية الأولى نرى أنّ الحرب المتعددة الجبهات هي درعٌ سياسي لرئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو، والافتراض السائد هو أنه بصفته "رجل الأمن" الذي يقود إسرائيل في حرب يقول أنّها وجودية على أربع جبهات (غزة، لبنان، سوريا، إيران)، سيستخدم هذا الزخم العسكري لتبييض سجلّه المحلي والبقاء في السلطة.
وفي قراءة ما بين السطور يشير أنّ الواقع يعكس نقيض هذا الافتراض. لأنّ الحرب المتعددة الجبهات لم تعد تُباع للناخب الإسرائيلي على أنها "إنجاز"، بل تُقرأ كـ"فشل استخباراتي وأمني" تُوِّجَت بـ7 تشرين الأول. الناخب الإسرائيلي، الذي تربّى على عقيدة "الحسم السريع" و"نقل المعركة إلى أراضي العدو"، يرى في الامتداد الجغرافي للحرب (من غزة إلى الضاحية الجنوبيّة لبيروت، ومن درعا السوريّة إلى العمق الإيراني) دليلاً على فقدان "الردع" وليس تعزيزه.
علاوة على ذلك، فإنّ الحرب على لبنان وسوريا، والتصعيد مع إيران، تُستنزف بها الموارد الاقتصادية وتزيد من العزلة الدولية (بما في ذلك الضغوط الأميركية المتصاعدة). ولهذه الأمور مجتمعة لا يسأل الناخب الإسرائيلي "هل ننتصر؟"، بل يسأل "متى سينتهي هذا الكابوس؟". وبالتالي، فإن استمرار الحرب لا يخدم نتنياهو كدرع، بل يكشف عن عجزه عن تقديم "يوم الغد" أو استراتيجية خروج واضحة، مما يحول الجبهات الخارجية من أصل سياسي إلى خصم ثقيل على شعبيته.
في الفرضية الثانية تبدو المعارضة كأنّها تمثل بديلاً ساعياً للسلام والدبلوماسية، لذلك يروج السرد الإعلامي والأكاديمي أحياناً لفكرة أن بديل نتنياهو (بيني غانتس أو يائير لابيد) يمثل تياراً وسطياً سيُعيد إسرائيل إلى المسار الدبلوماسي، ويوقف الحروب، ويعمل على حل الدولتين.
وفي تحليل مبسّط، نرى أنّ هذه المقاربة تتجاهل التحوّل الجذري في "الثقافة الاستراتيجية" للمجتمع الإسرائيلي. المعارضة الإسرائيلية، حتى في أجنحتها الوسطى، لا تطرح بديلاً استراتيجياً جذرياً تجاه إيران أو لبنان أو غزة. الفارق بين نتنياهو والمعارضة ليس في "الهدف" (القضاء على حماس، إبعاد حزب الله عن الحدود، منع إيران نووية)، بل في "الكفاءة" و"إدارة الأزمة".
المعارضة تنتقد نتنياهو على أنه "فقد البوصلة الأخلاقيّة والدوليّة" وأضرّ بالاقتصاد، لكنها لا تقدم خطة سلام شاملة. بل إنّ بعض أقطابها يتنافسون مع نتنياهو في التشدّد تجاه إيران. لذلك، القراءة ما بين السطور تكشف أن الانتخابات لن تنتج حكومة سلام، بل حكومة ستدير الحروب بنفس القدر من الحزم، لكنها ستسعى إلى "ترميم" العلاقات مع الإدارة الأميركية والأوروبية، والتركيز على العزلة الدبلوماسيّة التي لحقت بإسرائيل، بدلاً من التوسع العسكري غير المحدود.
في الفرضية الثالثة، يُطرح السؤال حول الجبهة الداخلية وتماسكها ووقوفها خلف القرارات العسكرية، حيث يُفترض أن المجتمع الإسرائيلي، بتركيبته الأمنية، يقف صفاً واحداً خلف الجيش في حروبه الإقليمية.
ولكن التحليل يكشف عكس ذكل تماما، حيث تعيش الجبهة الداخلية الإسرائيلية أعمق انقساماتها منذ عقود. ولم تعد فقط بين "اليمين واليسار"، بل هي انقسامات أفقيّة عميقة. هناك شريحة ضخمة من عائلات معتقلي الاحتياط في الجيش الاسرائيلي يرون أن الحرب في غزة ولبنان تُدار من أجل "البقاء السياسي" لنتنياهو وحلفائه المتطرفين (إتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش) على حساب مستقبل الاقتصاد.
كما أن قضية "تجنيد الحريديم" (المتشددين دينياً) تشكل صدعاً اجتماعياً هائلاً. بينما يُساق العلمانيون إلى محرقة الحروب الإقليمية. هذا التناقض يخلق غضباً طبقياً واجتماعياً يتجاوز الخلافات الأمنية، ويجعل من الانتخابات استفتاءً على "المساواة في تحمل العبء" بقدر ما هي استفتاء على الأمن.
ونأتي الى مآلات الانتخابات بسؤال مهمّ يُطرح ماذا بعد صندوق الاقتراع؟ وإذا تجاوزنا الأساطير وقرأنا المعطيات بموضوعية، فإن المسار في ظل هذه الحروب الإقليمية ترسم ثلاثة سيناريوهات رئيسية، كلها تعكس استمرار المأزق الاستراتيجي:
1-استمرار هيمنة اليمين (حكومة يمين-متطرفين):
إذا نجح نتنياهو في توظيف "الانتصارات التكتيكية" (مثل الاغتيالات في لبنان وسوريا، والضربات لإيران) وتحويل البوصلة نحو "الهوية والدين"، قد ينجو من المحاسبة. في هذه الحالة، ستستمر الحروب الإقليمية بنفس حدّتها، بل وقد تتصاعد، لأنّ الشركاء المتطرفين في الائتلاف لن يسمحوا بأيّ تهدئة قد تُفسَّر على أنها "استسلام".
2-حكومة طوارئ أو وحدة وطنية موسعة (بدون نتنياهو):
وهو السيناريو المرجّح وفق استطلاعات الرأي، حيث تتشكل حكومة تضمّ الوسط واليمين العلماني. في هذا السيناريو، لن تتوقف الحروب، بل ستخضع لـ"إعادة معايرة". ستسعى هذه الحكومة إلى تحويل حرب غزة إلى مرحلة "مكافحة تمرّد" منخفضة الكثافة، والقبول بترتيبات أمنيّة في لبنان برعاية أميركيّة ودوليّة، وفتح قنوات خلفيّة مع إيران لمنع الانزلاق إلى حرب إقليميّة شاملة. والهدف هنا ليس "السلام"، بل "إدارة الصراع" وترميم الجبهة الداخلية والاقتصادية.
3-الانزلاق نحو انتخابات متكررة وشلل سياسي:
إذا لم تتمكن أيّ كتلة من حسم الأغلبيّة (وهو احتمال وارد بسبب تشتّت الأصوات)، ستدخل إسرائيل في نفق سياسي مظلم. في هذه الأثناء، سيستمر الجيش الاسرائيلي في إدارة الحروب الإقليميّة بـ"الطيار الآلي"، مما يعني تصعيدًا عشوائيًّا قد يجر المنطقة إلى حروب لا يريدها أي طرف، في ظل غياب سقف سياسي واضح يوجه البوصلة العسكرية.
خلاصة القول هي وهم "الحل السحري"، إذ ان القراءة الموضوعية للانتخابات الإسرائيلية في ظل حروب غزة ولبنان وسوريا وإيران، تقودنا إلى استنتاج أكاديمي وواقعي مفاده أن صندوق الاقتراع الإسرائيلي ليس عصا سحرية لحل أزمات المنطقة.
فالتحدي الحقيقي لا يكمن في من سيجلس على كرسي رئيس الوزراء في القدس، بل في النموذج الفكري الاستراتيجي الإسرائيلي الذي بات يعتبر القوة العسكرية المفرطة هي الحل الوحيد لمعضلات وجودية معقدة. والحروب التي أشعلتها إسرائيل لم تجلب لها الأمن الذي تبحث عنه، بل كشفت عن هشاشة عقيدتها الأمنيّة.
ومهما كانت نتائج الانتخابات، فإنّ إسرائيل ستستيقظ في "اليوم التالي" لتجد نفسها محاطة بنفس "حلقة النار"، وبجبهات مفتوحة، وبتكلفة اقتصاديّة وبشريّة باهظة. التغيير الوحيد الذي قد تطرحه صناديق الاقتراع ليس في "وقف الحرب"، بل في "أسلوب إدارتها"، والانتقال من وهم "الحسم العسكري الشامل" إلى واقع "الاحتواء المؤلم"، وهو الاعتراف الذي يرفض نتنياهو وحلفاؤه الاعتراف به حتى اليوم، خوفاً من انهيار أسطورتهم السياسية.





















































