في وقت يشهد العالم موجات حر غير مسبوقة، وحرائق غابات واسعة، وفيضانات وجفافًا يطال مناطق مختلفة، تتزايد التساؤلات حول مدى ارتباط هذه الظواهر بالتغير المناخي وظاهرة النينيو، وما إذا كانت المنطقة، ولبنان خصوصًا، مقبلة على تغيرات مناخية أكثر حدة في السنوات المقبلة. وللإضاءة على هذه التطورات، شرح الباحث الأكاديمي والمسؤول عن مكتب الاستدامة في الجامعة اللبنانية الأميركية الدكتور نديم فرج الله عبر "النشرة"، طبيعة هذه الظواهر وأسبابها وانعكاساتها على لبنان والمنطقة.
يؤكد فرج الله لـ"النشرة" أن ما يشهده العالم اليوم لم يعد مجرد تقلبات مناخية عابرة، بل نتيجة مباشرة لارتفاع حرارة الأرض على المستوى العالمي، موضحًا أن ازدياد درجات الحرارة يؤدي إلى تكرار الظواهر المناخية المتطرفة -من فيضانات وموجات حر وجفاف طويل الأمد- بوتيرة أعلى من السابق.
ومن بين العوامل التي تزيد من حدة هذه الظواهر، تبرز ظاهرة النينيو، التي كثيرًا ما تُذكر في التقارير المناخية العالمية، إلا أن آلية تأثيرها لا تزال غير واضحة بالنسبة لكثيرين.
يوضح فرج الله أن هذه الظاهرة رُصدت للمرة الأولى في المحيط الهادئ قبالة سواحل البيرو، عندما لاحظ الصيادون خلال فترة عيد الميلاد تغيّرًا في حرارة مياه البحر وانعكاس ذلك على حركة الأسماك، فسُميت "النينيو" نسبة إلى الطفل يسوع.
ويشرح أن ارتفاع حرارة مياه المحيط الهادئ يؤثر في حركة التيارات البحرية والهوائية، ما ينعكس على أنماط الطقس في مناطق واسعة من العالم، بعدما كان يُعتقد في البداية أن تأثيرها يقتصر على أستراليا وأميركا الجنوبية. ومع تطور الأبحاث، تبين أن آثارها تمتد إلى أوروبا والشرق الأوسط ومناطق أخرى.
يلفت إلى أن ظاهرتي النينيو والنينيا، اللتان تمثلان الحالة المعاكسة حيث تصبح مياه المحيط الهادئ أبرد من معدلاتها الطبيعية، تؤثران في توزيع الأمطار ودرجات الحرارة، فتغيّران الأنماط المناخية المعتادة في العديد من المناطق.
يشير إلى أن منطقة الشرق الأوسط تشهد هذه التحولات بوضوح، مستشهدًا بما شهدته تركيا وسوريا والأردن من موجات جفاف قاسية، إضافة إلى لبنان الذي سجل العام الماضي انخفاضًا كبيرًا في كمية المتساقطات، إذ لم تتجاوز نحو 50 في المئة من معدلاتها الطبيعية.
ولا تقتصر آثار التغير المناخي على الشرق الأوسط، إذ تشهد أوروبا أيضًا موجات حر قياسية، بعد أن تعرضت العام الماضي لفيضانات مدمرة، فيما تؤدي درجات الحرارة المرتفعة إلى جفاف الغطاء النباتي، ما يزيد من خطر اندلاع حرائق الغابات.
يقول فرج الله: "التغير المناخي ليس شيئًا سيأتي في المستقبل، بل نحن نعيش تداعياته اليوم. ففي الماضي كانت فترات الجفاف تتكرر مرة كل ست سنوات تقريبًا، أما اليوم فأصبحت تتكرر كل أربع سنوات، كما أن الفيضانات التي كانت تُسجل مرة كل ثلاثين أو خمسين أو حتى مئة عام، باتت تحدث كل خمسة عشر إلى عشرين عامًا."
وتشير تقارير المناخ الدولية إلى أن السنوات الماضية تُعد من بين الأكثر احترارًا منذ بدء تسجيل درجات الحرارة، فيما يحذر العلماء من أن استمرار ارتفاع انبعاثات الغازات الدفيئة سيؤدي إلى زيادة تواتر الظواهر المناخية المتطرفة، الأمر الذي يفرض على الدول تعزيز خطط التكيف مع التغير المناخي والحد من تداعياته.
وفي ظل ما يشهده العالم من تحولات مناخية متسارعة، تتزايد الحاجة إلى اعتماد سياسات أكثر فاعلية في مجالات البيئة وإدارة الموارد والتخطيط العمراني، بالتوازي مع تعزيز الوعي المجتمعي بمخاطر هذه التغيرات. فالتغير المناخي لم يعد قضية بيئية فحسب، بل بات تحديًا عالميًا ينعكس على الاقتصاد والزراعة والصحة والأمن الغذائي، ويضع الدول أمام مسؤولية متزايدة للاستعداد لواقع مناخي مختلف خلال العقود المقبلة.