لَا خَوْفَ فِي الْمَحَبَّةِ، بَلِ الْمَحَبَّةُ الْكَامِلَةُ تَطْرَحُ الْخَوْفَ إِلَى خَارِجٍ لأَنَّ الْخَوْفَ لَهُ عَذَابٌ. وَأَمَّا مَنْ خَافَ فَلَمْ يَتَكَمَّلْ فِي الْمَحَبَّةِ )1 يو 4/ 18). كلّما ازدادت المتاعب أعود إلى التاريخ لأرى ببصيرة أجدادنا القدّيسين كيفيّة التصرّف وبناء المواقف. يعيش لبنان حربًا مستعرة منذ أكثر من ثلاث سنين مسرحها الجنوب اللبناني أمّا اللاعبون الرئيسيون فهم لبنانيّون شيعة بشكل عام ودولة إسرائيل. التجأ كثير من أهل الجنوب إلى مناطق أو بُقَعٍ آمنة واستقروا فيها لا سيّما في المدارس والأديار. انطلاقاً من إشكاليّة العلاقة المسيحيّة الإسلاميّة على مدى التاريخ، وهذا ما يجب الاعتراف به دون مجاملة، أعود بالزمن إلى الحرب العالميّة الأولى لأتقصّى الحقائق واستخلص العِبَر لواقعنا الحالي كي لا ننجرف مع كل هوًى يميل مُغَلِّبِين العقل وواثقين يإيماننا وبما أؤتمِنَّا عليه.
خلال الـ150 عاماً الماضية مرّت العلاقة المسيحية-الشيعية في لبنان في مسارات مُعقَّدة جمعت بين التحالفات الوجودية في تأسيس الدولة، والانقسامات الحادة حول الهوية والخيارات الاستراتيجية. ثمّ تطورت هذه العلاقة بين التهميش المؤسساتي والشراكة الوطنية. تقاطع الفريقان في محطات مفصلية (مثل قيام دولة "لبنان الكبير" عام 1920) كضمانة لوجودهما؛ حيث فضل المسيحيون والشيعة الكيان اللبناني المستقل لتجنب الذوبان في محيط عربي أكبر. لكنّ القضايا العربية الكبرى (مثل الصراع العربي الإسرائيلي والوجود الفلسطيني) كانت موضع تباين بشكل أساسيّ وبخاصة مع دخول عامل السلاح الفلسطيني الى الجنوب ذي الأغلبية الشيعية وتأثيره على المناطق المسيحية.
دير المخلّص العامِر وُجِدَ وبَرَزَ في بُقعة جغرافيّة متعدِّدَة المذاهب والمشارِب. وبالفعل فقد لعب دورًا عبر الزمن كمركز لقاء وحوار، وملجأ للضعفاء والمهمشين والأكثر حاجة. أمَّا علاقته بجبل عامل فمرَّت بمراحل عديدة من المحبّة والاتفاق والاختلاف. نُورِدُ هنا بعضًا منها:
1- العلاقة التاريخيّة
تميزت علاقة الرهبانية المخلصية (الروم الملكيين الكاثوليك) مع الشيعة خلال الحرب العالمية الأولى وما تبعها بطابع الجيرة الجغرافية، التعايش الإنساني، والمعاناة المشتركة من ويلات المجاعة والسياسات العثمانية القاسية في مناطق الجنوب وجبل لبنان.[1]
تمحورَت هذه العلاقة على عدة محاور رئيسية في تلك الحقبة:
المعاناة المشتركة: خلال الحرب، عانت كلتا الطائفتين من سياسات التجنيد الإجباري والمصادرة، إضافة إلى "المجاعة الكبرى" التي ضربت جبل لبنان وجنوب لبنان. شكل هذا البلاء المشترك دافعاً أساسياً للتضامن الميداني بعيداً عن الحسابات الطائفية.ة.
الحماية والملاذ الآمن: في فترات الفوضى والانفلات الأمني التي رافقت أواخر العهد العثماني وفترة الثورة العربية الكبرى، شكلت بعض الأديرة التابعة للرهبانية المخلصية في مناطق الجنوب والبقاع الغربي محطات أمان وملاذاً للقرى المجاورة.
التعايش مع الحركات الوطنية: في فترة ما بعد الحرب وسقوط السلطة العثمانية، انخرط الفريقان في دعم الوفاق الوطني والحكومات العربية الوليدة، حيث تقاسما الرغبة في التخلص من الحكم العثماني والتعايش تحت مظلة الدولة العربية[2].
التواصل مع الزعامات والعلماء: نسج رهبان الدير ورؤساء المراكز الرهبانية شبكة علاقات طيبة مع زعماء ووجهاء العائلات الشيعية في مناطق جبل عامل وعلماء الدين (مثل المرجع السيد عبد الحسين شرف الدين)، مبنية على حسن الجوار وتبادل الخدمات الاجتماعية[3].
2- في خلال الحرب العالميّة الأولى
شكَّل دير المخلص (المقرُّ الرئيسي للرهبانية المخلصية في جون بقضاء الشوف) واحة إنقاذ جغرافية وإنسانية امتدت مفاعيلها إلى القرى الشيعية المجاورة في جبل عامل وإقليم التفاح.
فتح مخازن الغلال: بادر الرهبان بفتح أهراء الدير ومخازن الحبوب لجميع الجائعين دون تمييز طائفي، متجاوزين الحصار العثماني البري الصارم الذي فرضه جمال باشا السفاح.توزيع الحصص الغذائية: سيّر الدير قوافل إغاثة مصغرة وحصصاً من القمح والزيت إلى القرى المحيطة التي فتكت بها المجاعة والجراد، وشملت بلدات شيعية في البقاع الغربي وجنوب لبنان.
تأمين الملاذ للمزارعين: لجأ العديد من أبناء القرى الشيعية إلى الأراضي التابعة للدير للعمل في الزراعة مقابل الغذاء، مما حماهم من الموت جوعاً ومن سوقهم إلى التجنيد الإجباري (السفربرلك) على يد الجيش العثماني.
التنسيق مع المرجعيات الشيعية: جرى تنسيق ميداني غير رسمي بين إدارة الدير وعلماء دين شيعة في الجنوب لتوجيه المساعدات الطبية والغذائية المتاحة نحو العائلات الأكثر عوزاً.
معَ اشتداد الأزمة الغذائيّة أواخر سَّنة ١٩١٥، اندفعت الأهالي إلى دير المخلّص لا بل الى "التّقاطر إليه بكثرة غريبة"، في الوقت الذي كان فيه الدّير "في أشدّ الضّيق"[4]. مع الإشارة الى أن رهبان الدير كانوا يعجنون يوميًّا 70 رطلاً من الطحين وكان عدد الفقراء لا يقل عن مئتين. وكانت فيه "موارد أوروبا مقطوعة بالمرّة، وكل موارد الرهبانيّة معطّلة، وقد نالها أعظم ضيق منذ ما ألحّ عليها الجراد فأتلف الزّرع والضّرع". بخاصّة معَ "إصدار مجلس الإدارة في ولاية سورية قرارات بمنع إخراج الحبوب مِنَ الولاية إلى فلسطين ولبنان". وقد "زاد الأمرَ سوءً نزولُ عسكريين أتراك في الدّير، وقد نَفَدَ القمح في 24 كانون الأول 1915[5]. وكانت رئاسة دير المخلّص تستدين مِنْ صيدا وبيروت مبالغ طائلة "وأغلب تلك الدّيون كان ورقًا ماليًا تركيًّا يأخذه الرئيس العام على حساب اللّيرة ورقًا ليرة ذهبًا، بسندات رسميّة أو حوالات يتقاضاها أصحابها بعد الحرب.حرب. لم يعنِ توفّر الأموال تجاوزًا لأزمة المجاعة، إذ كان يتوجّب نقل الحبوب مِنْ بلاد بشارة والحُؤلة في حال تحصيلها، مخالسة إلى الدّير. فكثيرًا ما كانت تذهب نهبًا وسلبًا مِنْ قطّاع الطّرق ومِنْ رجال العسكريّة الذين كانوا يصادرون ناقليها إلى لبنان[6].
أمّا الديرُ فلم يتأخّر عن "فتح قلبَه وأبوابه للفقراء والجياع أثناء المجاعة الكبرى التى حلّت بلبنان أثناء الحرب العالميّة الأولى. يومها أتى وكيل الدير إلى الرئيس العامّ آنذاك الأرشمندريت جبرائيل نبعة، ابن جون، واشتكى نفاد القمح في مخازن الدير، لكثرة الجياع الذين قصدوه طالبين قطعة من الخبز تَقيهم الموت جوعاً، وطلب منه أن يأمر بصرف الجياع إلى قراهم والإخوة الصغار في الإكليريكيّة إلى بيوتهم، لأنّ المؤونة أشرفت على النفاد. وقف الرئيس العامّ يومها وقفة محبّة، وأصدر الأمر قائلاً: "افتحوا الأبواب على مصارعها، ولنأكِل الرغيفَ نحن والفقراء، فإمّا نحيا معاً أو نموت معاً".[7]
نقرأ في يوميات دير المخلص، في ۹ و ۲۱ تشرين الأول سنة ١٩١٦، ما كتبه الأب نقولا أبو هنا، كاتم أسرار الرئيس العامّ آنذاك، بعد عودته من بيروت بخِفَيّ حُنين من غير أن يوفّق في شراء القمح للدير، نتيجة العراقيل التي وضعها جمال باشا على استيراد الحنطة من حمص وحماه والنبك، وكان الدير يأوي يومها مئات الجائعين ويطعمهم، هذا عدا الرهبان والطلّاب والأُجراء[8]. في "9 منه عاد الخوري نقولا أبو هنا من بيروت إلى صيدا، وفي اليوم الثاني صعد إلى دير المخلّص فعرض ما لقيه من امر القمح على سيادة الرئيس العام [كان آنذاك الأرشمندريت جبرائيل نبعة]، فارتأى سيادته ان يبعث إلى جهات النبطية [إلى عند يوسف بك الزين] من يدبّر الحبوب افضل من أن يدبّر ذلك من عنابر الحكومة لما يحول دون ذلك من الصعوبات. في ۲۱ منه: سافر إلى جرجوع مع الأب أنطون الخواجا ب.م. خادم هذه القرية حضرة الأب غريغوريوس الحوراني ب.م. وذلك لمشترى الغلال من النبطيّة وقد كابد مشقّة عظيمة في هذا السبيل وأمكنه بعد الكدّ والجدّ أن يحصّل ويستورد للدير نحوا من أربعمئة وخمسين مدّ قمح نبطاني ومئتي مدّ شعير كذلك"[9].
نشير إلى أنَّ يوسف بك الزين، وفي أوائل شهر آب سنة ١٩١٧، باع من دير المخلّص مئتي قنطار (حوالي 46 طن أيّ ما يكفي مؤونة سنة للساكنين في الدير) مِنَ الحبوب ما بين قمح وشعير وذرة وفول وعدس دَيْناً لسنة. والذي يعلم طريقة الدَّين في تلك الأيام، يعلم أريحيّة هذا الرّجل الكبير، فإنّ المرابين كانوا، مهما تسامحوا، يعطون الورقة الماليّة التّركيّة، بأنْ يكتبوها ليرة ذهبيّة. فضلًا عن أنّها لم تمضِ أشهر قليلة على مشترى الدّير لهذه الكمّيّة، حتى أخذت الأسعار ترتفع ارتفاعًا هائلًا، فصار رطل القمح بسبعین غرشًا صاغًا حجرًا، وجاراه في هذا الارتفاع الشّعير والذّرة والفول والعدس وسائر أنواع الحبوب والقطاني. أمّا أريحيّة يوسف بك فلم يشأ أنْ يرتهن شيئًا مِنْ أملاك الدّير مقابل هذا المبلغ العظيم، ولا كتب فيه سندًا، بل لبث بعد توريده إلى الدّير ثلاثة أشهر، حتّى أخذ سندًا بماله بسيطًا مِنَ الرئيس العام[10]. أيضاً وأيضاً ساعد يوسف الزين جهده أديرة مشموشة وبحنين وقطين للموارنة في منطقة جزّین.
كان وقع مبادرة يوسف الزين أثيرًا لدى الرّهبانيّة الباسيليّة المخلّصية، فأدرجت هذا العمل ونشرته "بكرّاسة حضرة الأب المحترم الخوري قسطنطين الباشا"، ما استوجب لفتة ردّ شكر من يوسف الزين في ٢١/ حزيران/ ١٩٢٠، ورأى فيها دليلًا على «دماثة أخلاق وكبير فضل وما طويت عليه مكارم كل محترم مِنْ مجتمعكم المقدّس، فأرفع لذاتكم الجلّى بصفتكم رئيسًا عامًلهذه الدير كمال إخلاصي وامتناني، راجياً دوام استفقادي وإسعادي بأي خدمة كان لهذا المجتمع الشّريف تروني رهين إشارة أمركم الكريم"[11].
3- تأثير الانتداب الفرنسي على العلاقة (حقبة العشرينيات)
مع انهيار الدولة العثمانية وإعلان دولة لبنان الكبير عام 1920 تحت الانتداب الفرنسي، دخلت البلاد منعطفاً سياسياً دقيقاً، لكنَّ مع المحافظة على التماسك الاجتماعيّ:
رَحَّب المسيحيون عموماً (ومنهم الرهبانية ورعاياها) بالانتداب الفرنسي كضمانة لحمايتهم وكيانهم الجديد، في حين أبدت شرائح واسعة من الشيعة في الجنوب والبقاع تحفّظاً، وانخرط بعضهم في حركات المقاومة المسلحة (مثل ثورة أدهم خنجر وصادق حمزة) طمعاً في الوحدة العربية مع دمشق.
رغم هذا الانقسام السياسي، لعب رؤساء الرهبانية المخلصية دور "الوسيط المحلي". فاستخدموا علاقتهم الجيدة بالسلطات الفرنسية للتوسط وإصدار العفو عن رجالات وشبان من العائلات الشيعية الذين لاحقتهم فرنسا بتهمة التمرد أو رفض دفع الضرائب المجحفة.
تثبيت خيار "لبنان الكبير": أسهمت شبكة الأمان الاجتماعي التي بناها الدير تاريخياً في تشجيع وجهاء الشيعة في العشرينيات (مثل آل الأسعد وآل الزين وغيرهم) على الانخراط التدريجي في مؤسسات الدولة اللبنانية الناشئة والمشاركة في إحصاء سكان لبنان عام 1921، بدلاً من القطيعة الكاملة.[12]
4- الوضع الأمني والعسكري في الجنوب اللبناني (عقد العشرينيات)
عاش الجنوب اللبناني حالة من الغليان العسكري والأمني بعد صدور قرار إعلان "دولة لبنان الكبير" عام 1920، وانعكس ذلك عمليًّا بحركات المقاومة المسلحة (العصابات المناهضة لفرنسا) حيث تشكلت مجموعات مسلحة بقيادة صادق حمزة النوبي وأدهم خنجر. كما شُنًّت هجمات ضد الثكنات الفرنسية. وقد تسبَّبَت بعض تلك العمليات في ترويع قرى مسيحية حدودية (مثل حادثة بلدة عين إبل)، مما خلق توتراً طائفياً حاداً في الجنوب. رَدَّ الجيش الفرنسي بقسوة عبر طائراته ومدفعيته، فقصفت وحرقت القوات الفرنسية عدة قرى شيعية في جبل عامل، وفرضت عليها غرامات مالية باهظة (المجيدية)، وصادرت المواشي والمحاصيل. وسط هذا الصراع العسكري، نجحت إدارة الرهبانية المخلصية في تحييد محيط الدير جغرافياً. فلم تسمح باستخدام أراضيها منصةً للهجمات الفرنسية، وفي الوقت نفسه أقنعت الثوار والمسلحين بعدم اتخاذ القرى المسيحية في إقليم الخروب وجوار صيدا ساحة للمواجهة. عد المؤتمر الشهير الذي عقده علماء الشيعة ورجالاتهم في الحجير (1920)، تكرست توصيات واضحة بحماية الجوار المسيحي. التقطت الرهبانية المخلصية هذه الإشارات الإيجابية وترجمتها ميدانياً عبر فتح قنوات الإغاثة الطبية وتأمين الملاذات الآمنة للفارين من بطش الحملات الفرنسية[13].
5- أسماء تاريخيّةّ لعبت دور الرابط الإنساني والسياسي
لَفَتَ الدور الذي قاده الأرشمندريت ثيودوسيوس كفوري (الرئيس العام للرهبانية آنذاك) حيث كان معروفاً بحنكته السياسية وعلاقاته الواسعة. كما نَسَّقَ مع سلطات الانتداب الفرنسي لتهدئة الأوضاع الأمنية في القرى المحيطة بالدير وتخفيف وطأة المداهمات العسكرية ضد العشائر والعائلات الشيعية. أيضاً المطران باسيليوس خوري (مطران صيدا وتوابعها للروم الكاثوليك وقتها) حيث كان دير المخلص يقع ضمن نطاق إبرشيته، وقد لعب دوراً محورياً كجسر تواصل مع زعامات جبل عامل الشيعية. عُرف برفضه للفتنة الطائفية واستخدم نفوذه لدى المندوب السامي الفرنسي للتوسط من أجل إطلاق سراح المعتقلين الشيعة السياسيين. ومن الأسماء البارزة في تلك الحقبة السيد عبد الحسين شرف الدين وهو المرجع الديني الشيعي الأبرز في جبل عامل وكان معارضاًًا ل للسياسة المتشددة للانتداب.
الزعامة الوائليّة (آل الأسعد وآل الزين): شكّل أحمد بك الأسعد والوجيه يوسف الزين حلقة الوصل السياسية مع إدارة دير المخلص. أسهمت هذه العلاقات العائلية الممتدة في حماية أراضي الدير ومزارعيه المسيحيين والمسلمين من اعتداءات قطّاع الطرق أثناء انفلات الوضع الأمني.
6- الوضع الحالي
في يومنا هذا استقبل دير المخلّص العامر، في جون الشوف، بعضًا من هؤلاء على قدر الطاقة، مع أنّ الطموحات كانت ولا زالت أكبر. لكن وبسبب تفاقم الأوضاع الاقتصاديّة والماليّة والأمنيّة والفيروسيّة مع اندلاع "الثورة" عام 2019، تراجعت المداخيل وبرز "الخوف من المستقبل" على وجوه الرهبان. من هنا لم يتمّ استقبال النازحين كما في الأمس القريب، من كل المِلَل. لا يزال التَوَجُّس من المستقبل رابضًا على القلوب مع انعدام الرؤية للأفق القريب والبعيد بسبب الحرب ولأسباب أُخرى. رغم بزوغ بقعة مضيئة مع موافقة قداسة البابا لاوون 14 على أعجوبة تطويب الأب بشارة ابو مراد. إلَّا أن الأحداث تسبق التوقعات لا بل تخيِّبُها وتبعث الحَيرَة والقلق في النفوس والعقول. الخَشيَة من التقوقع والانغلاق والهجرة والنزوح إلى مناطق أكثر أمناً بعد عقود من الانفتاح على المحيط وبخاصة عبر رجالات مثل أبونا سليم غزال. أسئلة أضحت هاجساً لا بدّ من مواجهتها ومعالجتها.
7- العِبرَة
في جوهر الحديث، يبقى دير المخلص دائمًا نقطة التقاء واحتضان في محيطه. لم يكن يومًا مجرد مكان للعبادة، بل كان قلبًا ينبض بالمحبّة والرحمة، مفتوحًا للجميع بلا استثناء. لقد تجلت يد الله في كل زاوية من زواياه، حيث نشأت روابط إنسانية عميقة بين الأديان والثقافات. في زمن تتداخل فيه الهويات، كان دير المخلص وما زال بوصلة للأمل، يجمع بين أبناء الوطن، مسيحيين ومسلمين، في مسعى مشترك لبناء مجتمع يسوده العدل والمواطنة.
ومع الأسف، أجد أن الرسالة التي نحملها مع أبنائنا المسيحيّين قد تراجعت في ظل التحولات الديموغرافية والجغرافية، وهجرة الكثير من الشباب والأُسَر التي كانت تمثل جزءًا من نسيجنا الاجتماعي. لكن وجود الرهبان المخلّصيّين في إقليم الخروب، على حدود إقليم التفاح، يبعث في النفوس الطمأنينة. هم ليسوا فقط حماة للإيمان، بل هم أيضاً حماة للأمل، يدعمون المسيحيّين الذين صمدوا في أرضهم، ويعملون جنبًا إلى جنب مع إخوانهم المسلمين لبناء دولة قائمة على العدالة الاجتماعية.
لا يمكنني أن أنسى تاريخنا وأعمال أجدادنا البطولية، الذين فتحوا قلوبهم وأبوابهم للنازحين، وعاشوا في تناغم مع الآخرين. إذا كنا لا نستطيع الابتعاد عن الجوار تاريخيًا، فكيف يمكننا أن نفصل أنفسنا جغرافيًا؟ هناك تحدّيات حقيقية أمامنا، حيث يتطلب الأمر منا التفكير بعمق في مفهوم الوحدة والتعايش. إن تاريخنا هو مرآة تعكس تجاربنا، ويجب أن نتعلم من دروسه. لا يمكن أن نبني مجتمعًا قويًا ومستدامًا إلا من خلال احتضان كل أفراده، بغض النظر عن خلفياتهم أو معتقداتهم. في النهاية، إن العدالة والمساواة هما الأساس الذي يجب أن نستند إليه لبناء مستقبل مشترك بحيث يعكس تنوّعنا وثقافتنا وإيماننا.
"اذهبوا إلى العالم أجمع، وبشروا الخليقة كلها بالإنجيل" (مر 16/15) هكذا قال الرب، ولم يستثنِ أحدًا.
إن انفتاح القلب والعقل هو نعمة من الروح القدس، وندعو الله أن يهبنا هذه النعمة يومياً.ّا. علينا أن نفتح قلوبنا للآخرين، وأن نشاركهم آلامهم وأفراحهم. إنّه القُربُ والتقارب وفهم الهواجس يلقي شعاع ضوء يضيء طريقنا حتى اليوم. لنا البرهان على ما تقدَّم في حياة الأب سليم غزال. فهو شخصية تركت بصمة في قلوب جميع سكان المنطقة، بغض النظر عن انتماءاتهم الطائفية. كان رجل الحوار، والاعتراف بالآخر، والسعي للقاء الآخر. كذلك الأمر وفي نفس السياق الإمام موسى الصدر. هذه الروحانيّة تبلورت داخل جدران الدير، بقيمها ومبادئها وصمدت أمام اختبار التاريخ. تاريخنا هو درس لمن يسعى للتَعَلُّم.
[1] شبكة المعارف الإسلامية:الشيعة بين الحرب العالمية الأولى والاحتلال الفرنسيّ
[2] جبل عامل بين انهيار التعصّب العثماني وتشكيل مقومات مستقبل الهُويّة الشّيعيّة 1880-1920 - مجلة أوراق ثقافية
[3] Political History - Jabal Amel or Jabal ‘Amil / Amil Mountains Region: جبل عامل -LibGuides at American University of Beirut
[4] يوسف بك الزين: من جبل عامل الى الجنوب اللبناني، منذر جابر، مطبعة مكتبة انطوان، ص. 98.
[5] عزيز بك: مذكِّرات عزيز بك، مصدر مذكور، ص ١١٣.
[6]راجع: قسطنطين باشا المخلّصي: لمحة تاريخيّة في أعمال الرّهبنة المخلصيّة خلال الحرب العامة، عني بطبعها الخوري باسيليوس نحاس، طبع في المطبعة التّجاريّة، لورنس باس (الولايات المتّحدة)، ١٩٢٠، ص ٦ - ٨.
[7] اليوبيل المئوي الثالث لتأسيس دير المخلّص العامر، منشورات الرهبانيّة الباسيليّة المخلّصيّة، 2011، ص. 116.
[8]اليوبيل المئوي الثالث لتأسيس دير المخلّص العامر، منشورات الرهبانيّة الباسيليّة المخلّصيّة، 2011، ص. 110.
[9] مجلّد يوميات الرهبانية ١٩١٣ - ۱۹۱۸، مخطوط من محفوظات دير المخلّص، ص ۱۰۳-١٠٤.
[10]: الياس كويتر المخلَّصي: السنكسار الزهباني المخلّصي، يحوي سيرة الآباء المخلصيين المتوفّين موزّعة على مدار السَّنة، منشورات الرهبانية المخلصية في يوبيله، 1982، ص. 57 – 58.
[11] محفوظات دير المخلّص، وثيقة رقم YBZooR ، تاريخ ٢١/ حزيران/١٩٢٠. ملحق رقم (٦).
[12]Mandating the Mahjar: The French Mandate and Greater Lebanon’s Census of 1921The French Mandate and Greater Lebanon’s Census of 1921
[13] 7303/7/5118https://newspaper.al-vefagh.ir




















































