لَيسَ مِن وَطَنٍ حَتمِيٍّ. الأوطانُ زائِلَةٌ. الحَضاراتُ زائِلَةٌ. ​التاريخ​ُ زائِلٌ، بِمَواضيهِ وَحَواضِرِهِ وَأواتيهِ. كَيفَ لِلزَمَنِ أن يَبقى وَهوَ وَميضٌ يَغوي؟ كَيفَ لِلتُرابِ أن يَبقى وَهوَ سِحرُ التَفَنُّنِ بَينَ اليَقينِ واللايَقينِ؟ كَيفَ لِ​لبنان​َ أن يَكونَ حَتمِيَّاً، وَهوَ بَينَ الكِيانِيَّةِ والوجودِ جَوهَرُ الأولى وَتَجَوهُرُ الثانيُ؟

أن يَكونَ لبنانُ حَتمِيَّاً، تِلكَ حَقيقَتُهُ. مِنَ الفَرادَةِ مَنبَعُها، وَإلى البَلاغَةِ إنسِحارُها. بَينَ الصَمتِ، والفِعلِ، والنِعمَةِ.

والحَتمِيَّةُ، أوَّلاً سِرُّ الُلزومِ البَسيطِ الموقِظِ، وَتالياً الى المُنتَهى وَما بَعدَهُ في الحَقيقَةِ الحَقِّ، إلتِزامُ النَفسِ المُحيي، بَينَ الخَلقِ وَأنماطِهِ، بَينَ الصَحوَةِ والرُكونِ، بَينَ الغَلَبَةِ وَتَكاوينِها. أتَكونُ حَتمِيَّةُ لبنانَ، في خَطَراتِ شَغَفِهِ بِالغَرابَةِ؟ لا! حُكماً لا. فَلبنانُ لا مِن خُيَلاءٍ مَآتيهِ، وَلا مِن تَعَقٌّدِ التَصَنُّعِ. بَل مِن أعمَقَ، أعمَقَ. بِالضَبطِ، هوَ لا يُؤَلِّفُ لَهُ لِأنَّهُ التَوكيدُ في الكَينونَةِ. هوَ الكائِنُ حَقَّاً. صُلبُ الكَينونَةِ وَرُكنُ الكيانِيَّةِ بِصِدقِ مِعنى الكَلِمَةِ. والكَلِمَةُ، مُذ كانَت، هَدَفٌ. تَبيانٌ. تَدليلٌ. قُلّ: مُنتَهى الطَلاقَةِ، نُهى البَساطَةِ.

أجَل! حَياةُ لبنانَ مَنبَعُها حَتمِيَّةُ المَوتِ: مَوتُ الأوطانِ كُلِّها، والحَضاراتِ كُلِّها، والتاريخِ كُلِّهِ. ألَيسَت حَياتُهُ مَوتاً مُتَتابِعاً، مُذ كانَ؟ ألَم يَبدأ المَوتُ بِهِ، مُذ كانَ، حَتَّى مَوتِهِ الأخيرِ؟ ألَيسَت حَياتُهُ عُبوراً مَآلُهُ حَتمِيَّةُ مَوتٍ لا مَفَرَّ لَها، طالَما المَوتُ مَصيرُ كُلِّ الحَتمِيَّاتِ المُجَرَّدَةِ وَغَيرِ المُجَرَّدَةِ؟ أفي المَوتِ مَكنونِيَّاتُ الوجودِ؟

ألا، إقرأ مُدَوَّنَةَ إتُبَعلَ مَلِكِ ​بيبلوس​َ عَلى ناووسِ أحيرومَ أبيهِ، نَحوَ سَنَةِ 1000 ق. م.: "الناووسُ الَذي صَنَعَهُ إتُبَعلُ إبِنُ أحيرومَ، مَلِكُ بيبلوسَ، لِأبيهِ أحيرومَ، حينَ أودَعَهُ في دارِ الأبَدِيَّةِ. فَإنْ صَعِدَ عَلى بيبلوسَ مَلِكٌ مِنَ المُلوكِ أو حاكِمٌ مِنَ الحُكَّامِ أو قائِدُ جَيشٍ وَكَشَفَ هَذا الناووسَ، فَليَتَحَطَّم صَولَجانُ سُلطانِهِ، وَليَنقَلِب عَرشُ مُلكِهِ، وَليَهرُب السَلامُ مِن بيبلوسَ. لِيَمُدَّ بَعلُشِميمُ وَرَبَّةُ بيبلوسَ وَمَجمَعُ الآلِهَةِ القُدسِيِّينَ في بيبلوسَ، بِأيَّامِ يَحيمُلْكَ وَبِسِنِيّ مُلكِهِ في بيبلوسَ." كَذا.

وَإقرأ المُدَوِّناتَ الفينيقِيَّةَ-الُلبنانِيَّةَ العَتيقَةَ لِمُلوكِ بيبلوسَ ‒العاصِمَةُ الروحِيَّةُ لِلحاضِراتِ-الدُوَلِ الُلبنانِيَّةِ-الفينيقِيَّةِ‒ مِنَ القَرنَينِ الحادِي-عَشَرِ ق. م. (تِلكَ الَتي لِأزرُبَعلَ)، والعاشِرِ ق. م. (مُدَوِّنَاتُ يَحيمُلْكَ لِتَرميمِ الهَيكَلِ نَحوَ 950 ق. م.، وَأبيبَعلَ لِتَدشينِ تِمثالٍ نَحوَ 925 ق. م.، وَإيليبَعلَ نَحوَ 915، وَشِفْطِبَعلَ لِبِناءِ جِدارِ الهَيكَلِ نَحوَ 900 ق. م.)...

مُخاطَرَةُ السُكونِ

وَحدَهُ لبنانُ، كانَ مُذ كانَ، الكَلِمَةَ الفَصلَ بِوَجهِ صُلبِ غَطرَسَةِ الوجودِ بِاللاوجودِ، وَلَهوِهِما بِبَعضِهِما البَعضِ لِمُغامَراتِ إزالَةِ حَرَكِيَّاتِ الكَينونَةِ وَعِناياتِ الكيانِيَّةِ، وَزَوَالِهِما بِعضَهِما البَعضِ.

هوَ لبنانُ الحَتميُّ. تَمهيدِيُّ الحَياةِ، حَتمِيُّ الحَياةِ. بِثالوثِيَّةٍ: العَقلُ-الخالِقُ، الفِعلُ-الخَلقُ، الروحُ-الخَليقَةُ. مِنَ التُرابِيَّةِ الجَسَدانِيَّةِ الى رِفعَةِ السَماوِيَّاتِ المُتكائِنَةِ فَوقَ لاحَدَّ النِهائِيَّاتِ، بَينَ الخَطَراتِ والأثَرِ.

هوَ لبنانُ الحَتميُّ، المُحَرِّرُ بِحَيَوِيَّةِ الحَياةِ مِن أغلالِ الشَرِّ المُتفَلِّتَةِ مَوتاً بِكُلِّ إتِّجاهاتِ الفَراغِ وَتَناقُضاتِهِ المُغالِيَةِ بِالمَخاوِفَ والتَخاصُمِ والتَناقُضاتِ.

هوَ لبنانُ الحَتميُّ، مُخاطَرَةُ السُكونِ بِكِفايَةِ السَلامِ... دَيمومَةِ الأبَدِيَّةِ! حَذارِ التَلاعُبَ بِها بِغَطرَساتِ القُوَّةِ، أيَّاً كانَ مُطلِقُ تَجَبُّرِها ("مَلِكٌ، "حاكِمٌ"، "قائِدُ جَيشٍ").

لَولاهُ هَذا الُلبنانُ وَحدَهُ، كَينونَةُ الأوطانِ والحَضاراتِ والتاريخِ تَعَلُّمُ كَيفِيَّةِ المَوتِ وَإنتِظارِهِ بَينَ التَقَبُّلِ واللاتَقَبُّلِ. بِهِ، تُتقَنُ ‒وَقَد عَلَّمَها‒ حَقيقَةُ الوجودِ الأمرَدِ بِبَراهينَ التَأبُّدِ. لا بِالعَبَثِ الميتافيزيقيِّ وَلا بَالجُنوحِ الأنتروبولوجيِّ وَلا بِالقَهرِ الإسكاتولوجيِّ.

ضَمانَتُهُ هَذا الُلبنانُ لِلأبَدِيَّةِ؟ لِأبَدِيَّتِهِ؟ القُدسِيَّةُ! وَهيَ كَلِمَتُهُ الخَلَّاقَةُ هوَ الكَلِمَةُ-القُدرَةُ، الكَلِمَةُ-الإبتِداعُ، الكَلِمَةُ-الإنتِصارُ.