لم يُفضِ الاجتماع السادس بين الوفدين اللبناني والإسرائيلي في العاصمة الإيطالية روما إلى اختراق سياسي كبير بقدر ما دشّن انتقالاً إلى مرحلة جديدة من التفاوض، عنوانها التنفيذ التقني بدلاً من التفاهمات العامة. وبينما أعلنت الولايات المتحدة اختتام يومين من المحادثات بـ"نتائج إيجابية وبنّاءة"، بقي المشهد الميداني في جنوب لبنان يسير في اتجاه مغاير، مع استمرار الاعتداءات الإسرائيلية وعمليات التدمير في عدد من البلدات الحدودية، ما أعاد طرح السؤال التقليدي في كل جولة تفاوضية: هل تسبق الوقائع العسكرية التفاهمات السياسية أم تُفرغها من مضمونها؟
وجاء البيان الأميركي المقتضب، عقب انتهاء الاجتماعات، ليؤكد الاتفاق على "هيكلية وإرشادات عملية المناطق التجريبية"، على أن تُستكمل تفاصيلها خلال الأيام المقبلة، والانتقال إلى محادثات تقنية موسعة لتنفيذ مختلف بنود الإطار الثلاثي وصولاً إلى اتفاق شامل بين لبنان وإسرائيل. وهي الصياغة نفسها التي نقلتها وكالتا "رويترز" و"أسوشيتد برس"، واللتان اعتبرتا أن الاجتماع مثّل تقدماً إجرائياً أكثر منه تسوية سياسية مكتملة.
غير أن أهمية اجتماع روما لا تكمن فقط في ما أُعلن عنه، بل أيضاً في ما لم يُعلن. فالبيان الأميركي خلا من أي إشارة إلى جدول زمني واضح لبدء الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية التي لا تزال تحتلها القوات الإسرائيلية، كما تجنب الحديث عن آلية ملزمة لوقف الاعتداءات العسكرية خلال فترة تنفيذ الاتفاق، الأمر الذي أبقى هامشاً واسعاً أمام استمرار العمليات الميدانية بالتوازي مع استمرار التفاوض.
وبحسب المعلومات التي أوردتها وسائل إعلام دولية، فإن الجولة السادسة ركزت بصورة أساسية على ما يُعرف بـ"المناطق التجريبية "(Pilot Zones)، وهي مناطق يفترض أن تشكل نموذجاً أولياً لتطبيق الاتفاق، عبر انتشار الجيش اللبناني فيها بالتوازي مع انسحاب تدريجي للقوات الإسرائيلية، قبل تعميم التجربة على بقية المناطق المحتلة. إلا أن نجاح هذه الآلية يبقى مرتبطاً بمدى التزام الجانب الاسرائيلي بالتنفيذ، وهي نقطة لم يحسمها الاجتماع نفسه.
ويكشف الانتقال من الاجتماعات السياسية إلى "المحادثات التقنية" أن المفاوضات تجاوزت مرحلة اختبار النيات، ودخلت مرحلة البحث في التفاصيل التنفيذيّة المتعلقة بانتشار الجيش اللبناني، وآليات التحقق، والتنسيق الأمني، والانسحاب التدريجي. غير أن هذه الخطوة لا تعني بالضرورة أن الخلافات السياسية الأساسية قد حُلّت، بل قد تعكس، في المقابل، ترحيلها إلى مرحلة لاحقة، بعدما اتفق الوسطاء على فصل الإطار التنفيذي عن القضايا الأكثر حساسية.
وفي قراءة لما بين السطور، فإن استخدام الإدارة الأميركية تعبير "عملية المناطق التجريبية" بدلاً من الحديث مباشرة عن الانسحاب الإسرائيلي الكامل، يوحي بأن واشنطن تتبنى مقاربة تدريجية تقوم على اختبار نجاح التنفيذ في نطاق جغرافي محدود قبل الانتقال إلى مراحل أوسع. ومن الناحية العملية، يعني ذلك أن الولايات المتحدة تسعى إلى بناء وقائع ميدانية قابلة للاستمرار قبل الانتقال إلى الملفات السياسية الأكثر تعقيداً، وفي مقدمتها الانسحاب الكامل وترتيبات الأمن على طول الحدود.
لكن هذه المقاربة تصطدم بواقع ميداني مختلف. فبينما كانت الوفود المجتمعة في روما تناقش آليات التنفيذ، واصل الجيش الإسرائيلي اعتداءاته وغاراته وعمليات القصف والتدمير في جنوب لبنان، ما جعل المشهد يبدو وكأن هناك مسارين متوازيين: مساراً تفاوضياً تقوده واشنطن، ومساراً عسكرياً تواصل إسرائيل من خلاله فرض وقائع جديدة على الأرض. وتشير تقارير دولية إلى أن العمليات العسكرية لم تتوقف خلال أيام الاجتماع، رغم الأجواء الإيجابية التي تحدث عنها الوسطاء الأميركيون.
ولا يقتصر التناقض على البعد الميداني، بل يمتد أيضاً إلى الخطاب السياسي. فلبنان أعلن، قبيل انعقاد الاجتماع، أن أولويته هي بدء الانسحاب الإسرائيلي من المناطق المتفق عليها قبل الانتقال إلى أي ترتيبات إضافية، فيما واصلت إسرائيل ربط أي انسحاب بضمانات أمنيّة وبقدرة الجيش اللبناني على الإمساك الكامل بالمناطق التي ستخليها القوات الإسرائيلية. ويعكس هذا التباين استمرار الخلاف حول نقطة البداية: هل يبدأ التنفيذ بالانسحاب، أم ببناء الضمانات الأمنية أولاً؟
وتزداد أهمية اجتماع روما لأنه يتزامن مع زيارة رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى واشنطن خلال الأيام المقبلة، في توقيت يصعب اعتباره مصادفة دبلوماسية. فمن الواضح أن الملف اللبناني انتقل إلى مستوى أعلى من المتابعة الأميركية، حيث تتكامل المفاوضات التقنية الجارية في روما مع الاتصالات السياسية في البيت الأبيض. ويعطي هذا التزامن انطباعاً بأن واشنطن تسعى إلى إدارة الملف على مستويين متوازيين: الأول ميداني يتصل بآليات التنفيذ، والثاني سياسي يتعلق بتوفير الغطاء اللازم لإنجاحها.
ومع ذلك، يبقى السؤال الأساسي هو مدى قدرة الإدارة الأميركية على تحويل هذا الزخم الدبلوماسي إلى التزامات إسرائيلية قابلة للتنفيذ. فالسوابق خلال الأشهر الماضية أظهرت أن إسرائيل تماطل بنواياها العدوانية والخبيثة مواصلة عملياتها العسكرية رغم الضغوط الدولية والدعوات إلى التهدئة، وهو ما يجعل معيار نجاح الوساطة الأميركية مرتبطاً بالفعل الميداني أكثر من البيانات السياسية. وفي هذا السياق، لا تقدم نتائج اجتماع روما جواباً حاسماً، لكنها تضع الإدارة الأميركية أمام اختبار مباشر لمدى قدرتها على إلزام الحكومة الإسرائيلية بتنفيذ ما يتم الاتفاق عليه، وليس الاكتفاء بإدارة التفاوض.
ولا يمكن فصل الاجتماع السادس في روما عن السياق الأوسع الذي يتحرك فيه الملف اللبناني منذ دخول اتفاق وقف الأعمال العدائية حيّز التنفيذ أواخر العام الماضي. فمنذ ذلك الحين، بقيت الآلية الثلاثية التي تضم لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة، بمشاركة الأمم المتحدة، الإطار الوحيد الذي استمر رغم التصعيد الميداني، إلا أن الاجتماعات السابقة بقيت محصورة بمعالجة الخروقات وتثبيت آليات التواصل، من دون الانتقال إلى بحث خطوات تنفيذية تتعلق بالانسحاب الإسرائيلي أو إعادة الانتشار.
من هذه الزاوية، يشكل انتقال الاجتماعات إلى مرحلة "المناطق التجريبية" تطوراً نوعياً، لأنه للمرة الأولى يجري الحديث عن اختبار ميداني لآلية تنفيذ، وليس فقط عن إدارة وقف إطلاق النار. غير أن هذا التطور يبقى ناقصاً ما دام لم يقترن بإعلان واضح حول موعد بدء الانسحاب الإسرائيلي أو المناطق التي ستشملها المرحلة الأولى، وهو ما يفسر الحذر الذي طبع المواقف اللبنانية عقب انتهاء الاجتماع، مقابل التفاؤل الحذر الذي عكسته واشنطن.
وتكشف متابعة الخطاب الأميركي خلال الأشهر الماضية أن الإدارة الأميركية باتت تركز بصورة متزايدة على مفهوم "التنفيذ المرحلي"، وهو نهج سبق أن اعتمدته في ملفات إقليمية أخرى، يقوم على تحقيق تقدم محدود وقابل للقياس قبل الانتقال إلى خطوات أكثر تعقيداً. وفي الحالة اللبنانية، قد يكون الهدف هو منع انهيار المسار التفاوضي تحت وطأة الخلافات السياسية الكبرى، عبر إنتاج نجاحات ميدانية تدريجية يمكن البناء عليها لاحقاً.
إلا أن هذا النهج يواجه معضلة أساسية تتمثل في استمرار إسرائيل باعتداءاتها واستخدام القوة العسكرية بالتوازي مع التفاوض. فبالنسبة إلى بيروت، يصعب إقناع الرأي العام بجدوى الدخول في ترتيبات تنفيذية بينما تستمر الغارات وعمليات التدمير في القرى الحدودية، في حين ترى إسرائيل أن الضغط العسكري يشكل أداة تفاوضية تمنحها هامشاً أوسع لتحسين شروط التنفيذ وضمان متطلباتها الأمنية.
وهنا تبرز إحدى أبرز الرسائل غير المعلنة لاجتماع روما. فالبيان الأميركي لم يتضمن أيّ إدانة لتصعيد اسرائيل العسكري، ولم يربط التقدم في المفاوضات بوقف الاعتداءات الإسرائيلية، بل ركز حصراً على استكمال المسار التفاوضي. ويمكن تفسير ذلك على أنه محاولة للفصل بين إدارة الأزمة الأمنيّة وبين عملية التفاوض، بما يسمح باستمرار المحادثات حتى في ظل التوتر الميداني، لكنه يترك في المقابل انطباعاً بأن واشنطن تفضّل الحفاظ على زخم المفاوضات، حتى لو لم تنجح بعد في فرض تهدئة كاملة على الأرض.
ويكتسب هذا البعد أهمية إضافية مع تزامن اجتماع روما وزيارة رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى واشنطن ولقائه نظيره الأميركي دونالد ترامب. فمن الناحية السياسية، يصعب تجاهل الترابط الزمني بين الحدثين، إذ تشير المعطيات إلى أن واشنطن تحاول إدارة الملف اللبناني من خلال مسارين متكاملين: مسار تفاوضي تقني يعالج التفاصيل التنفيذية، ومسار سياسي يهدف إلى توفير الغطاء اللازم لأي تفاهمات قد يتم التوصل إليها.
لكن هذا التزامن يفتح الباب أيضاً أمام قراءات متعددة بشأن مستوى النفوذ الأميركي على الحكومة الإسرائيلية. فمنذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض، صدرت عن إدارته مواقف تؤكد الرغبة في احتواء التصعيد على الجبهة اللبنانية، غير أن الوقائع الميدانية لم تعكس حتى الآن تحولاً جذرياً في السلوك الإسرائيلي، الأمر الذي دفع عدداً من المراقبين إلى التساؤل حول مدى قدرة واشنطن على تحويل رغبتها السياسية إلى التزام عملي من جانب إسرائيل.
في المقابل، يذهب محللون آخرون إلى أن الإدارة الأميركية تعتمد سياسة التدرج، وأنها تفضّل تحقيق تقدم هادئ بعيداً عن الضغوط الإعلاميّة، انطلاقاً من قناعة بأن أي محاولة لفرض انسحاب سريع قد تؤدي إلى انهيار المسار التفاوضي برمّته. ووفق هذه القراءة، فإنّ غياب النتائج الكبرى في هذه المرحلة لا يعني بالضرورة غياب الضغوط الأميركيّة، بل قد يعكس اعتماد مقاربة تقوم على تحقيق خطوات متراكمة بدلاً من البحث عن تسوية شاملة دفعة واحدة.
في المقابل، تبدي أوساط سياسية وإعلامية لبنانية قدراً كبيراً من التشكيك في جدوى هذه المقاربة، مستندة إلى أن إسرائيل لم تنفذ حتى الآن تعهدات سابقة تتعلق بالانسحاب أو وقف الخروقات، ما يجعل أيّ تقدم تقني عرضة للتعثر إذا لم يقترن بضمانات تنفيذيّة واضحة. ويستند هذا الرأي إلى الفجوة المستمرة بين البيانات السياسية والوقائع الميدانيّة، مع احتمال وجود نيات خبيثة غير معلنة لدى الفريق الاسرائيلي.
ولذلك، فإن السؤال المطروح بعد اجتماع روما ليس ما إذا كانت الولايات المتحدة تمارس ضغوطاً على إسرائيل، بل ما إذا كانت هذه الضغوط ستترجم إلى خطوات عمليّة يمكن قياسها على الأرض. فالمعيار الحقيقي لنجاح الوساطة لن يكون في عدد الاجتماعات التي تُعقد، ولا في اللغة الإيجابيّة التي ترافق البيانات الختاميّة، وإنما في بدء انسحاب إسرائيلي فعلي، وتراجع وتيرة الاعتداءات، وتمكين الجيش اللبناني من بسط سلطته.
وتشير المعطيات المتوافرة إلى أن الأسابيع المقبلة ستكون حاسمة في اختبار صدقية اسرائيل ونواياها بعد اجتماع روما. فإذا نجحت الفرق التقنية في وضع آلية قابلة للتنفيذ، وبدأ تطبيق نموذج "المناطق التجريبية"، فسيكون ذلك أول انتقال فعلي من إدارة الأزمة إلى تنفيذ التفاهمات. أما إذا استمرت الاعتداءات العسكرية بوتيرتها الحالية من دون أي انسحاب ملموس، فقد يتحول الاجتماع إلى محطة تفاوضيّة جديدة تُضاف إلى سلسلة الاجتماعات السابقة التي أنتجت تقدماً وهميًّا من دون تغيير جوهري في المشهد الميداني.
وبين هذين الاحتمالين، يبقى الثابت أن اجتماع روما لم يغلق الملف اللبناني، بل فتح مرحلة أكثر تعقيداً تصطدم بغيابٍ تامّ لأيّ جدولٍ زمنيّ ملزم أو آلية رقابة، ما يجعله مجرّد وثيقة نوايا تفتقر إلى قوّة التنفيذ. فالانتقال من السياسة إلى التنفيذ يعني أن كل خطوة ستصبح قابلة للقياس، وأن مصداقية واشنطن وتل أبيب، ستخضع لاختبار الوقائع لا التصريحات. وعليه، فإنّ قيمة الاجتماع لن تُقاس بما أُعلن في روما، بل بما سيحدث في جنوب لبنان خلال الأيام والأسابيع المقبلة، حيث سيحدد الميدان، مرة أخرى، ما إذا كانت الدبلوماسيّة نجحت في فرض إيقاعها على الصراع، أم أن الصراع سيواصل فرض إيقاعه على الدبلوماسية!.
أمام هذا المشهد المعقّد، تتأرجح مآلات المسار التفاوضيّ بين احتمالاتٍ متعدّدة. السيناريو الأوفر حظًّا، باحتماليّةٍ مرتفعة جدًّا، يتمثّل في الدخول في تجميدٍ طويل الأمد، حيث تستمرّ المفاوضات شكلًا من دون تقدّمٍ حقيقيّ، بالتوازي مع استمرار الاعتداءات. ويبرز باحتماليّةٍ مرتفعة أيضًا خيار التوصّل إلى تسويةٍ جزئيّة، تقتصر على انسحابٍ محدود من المناطق التجريبيّة مع إبقاء الاحتلال جاثمًا في مناطق أخرى. أمّا سيناريو الاختراق الدبلوماسيّ، الذي يفترض تعهّدًا أميركيًّا مُلزمًا بوقف العدوان وجدولة الانسحاب، فيبقى الخيار الأضعف باحتماليّةٍ تتراوح بين المنخفضة والمتوسّطة.
في الخلاصة، التجارب السابقة تُحتّم الحذر في يخص الوضع الجنوبي؛ فالوعود الأميركيّة السابقة بإعادة النازحين والانسحاب تبخّرت أمام التصعيد الإسرائيليّ. والاجتماع في روما أنتج إطارًا تنظيميًّا فارغًا من أيّ إجاباتٍ محوريّة، ليبقى السؤال الملحّ معلّقًا: هل تُحدِث زيارة الرئيس عون اختراقًا سياسيًّا فعليًّا، أم أنّ الدبلوماسيّة الأميركيّة ستبقى مجرّد نقاطٍ صحفيّة تغرق في كثرة الكلام وتفتقر دائمًا إلى الفعل؟ وهل دخان روما ونار الجنوب المستعرة يجعلان من واشنطن تبيع الوهم للبنان؟.