نظّمت الجمعية الطبية اللبنانية الأوروبية (ELMS) ندوة علمية، عبر تطبيق "زوم"، بعنوان "التغير المناخي وتأثيره على الصحة"، بمشاركة عدد من الأطباء والعاملين في القطاع الصحي في مختلف الدول الأوروبية، إلى جانب مهتمين بالشأن الصحي والبيئي، وذلك في إطار جهود الجمعية لنشر الوعي حول التداعيات الصحية المتزايدة للتغير المناخي وسبل الوقاية منها.
واستهلّ الندوة رئيس الجمعية الدكتور إيلي حداد، الذي أكد في كلمته أن التغير المناخي لم يعد قضية بيئية فحسب، بل أصبح تحدياً صحياً عالمياً يفرض على الأطباء والمؤسسات الصحية مواكبة انعكاساته المتسارعة مؤكداً التزام الجمعية الطبية اللبنانية الأوروبية الإضاءة على مواضيع الساعة وعلى وسائل الوقاية.
ثم تحدث رئيس اللجنة الطبية البروفسور شربل مسعد، أن أوروبا تشهد في السنوات الأخيرة ارتفاعاً غير مسبوق في درجات الحرارة وتزايداً في الظواهر المناخية المتطرفة، الأمر الذي ينعكس مباشرة على صحة الإنسان، ولا سيما الفئات الأكثر عرضة للخطر.
وأضاف: "الجمعية ارتأت تنظيم هذا اللقاء العلمي بهدف تسليط الضوء على أحدث الدراسات الطبية، وتعزيز ثقافة الوقاية، وتبادل الخبرات بين الاختصاصيين، انطلاقاً من مسؤوليتها في خدمة المجتمع اللبناني والأوروبي".
وتحدث بعدها الاختصاصي في شؤون التغير المناخي البروفسور روبير باروكي، مقدماً عرضاً علمياً تناول فيه أبرز الأسباب التي تقف وراء التغير المناخي، وفي مقدمتها ازدياد انبعاثات الغازات الدفيئة الناتجة عن النشاط البشري، والاعتماد المكثف على الوقود الأحفوري، وإزالة الغابات، والتوسع الصناعي والعمراني.
وأوضح أن هذه العوامل أدت إلى ارتفاع متوسط درجات الحرارة عالمياً، وتزايد موجات الحر والجفاف والحرائق والفيضانات، محذراً من أن استمرار هذه الوتيرة ستكون له انعكاسات خطيرة على الصحة العامة والأمن الغذائي والموارد المائية، ما يستوجب اعتماد سياسات أكثر استدامة وتعزيز الوعي المجتمعي للحد من آثار هذه الظاهرة.
من جهته، تناول اختصاصي أمراض الصدر والحساسية لدى الأطفال الدكتور عمار الخير تأثير التغير المناخي على صحة الأطفال، مشيراً إلى أن ازدياد التلوث وانبعاث الغازات السامة يؤديان إلى تفاعل أكبر بين الملوثات ومسببات الحساسية، ما يزيد من دخولها إلى الجهاز التنفسي لدى الأطفال، ويرفع معدلات الإصابة بالربو والحساسية ويجعل السيطرة عليها أكثر صعوبة.
وأوضح أن الدراسات الحديثة أظهرت أيضاً أن مواسم الحساسية أصبحت أطول وأكثر تداخلاً بين مختلف المناطق الجغرافية، الأمر الذي يؤدي إلى ازدياد حالات الحساسية التنفسية والجلدية في آن واحد. وأضاف أن جهاز المناعة لدى الأطفال لا يكون مكتمل النمو، ما يجعل استجابتهم للفيروسات أضعف ويؤدي إلى التهابات فيروسية أكثر تكراراً وشدة. كما أن الجهاز المسؤول عن تنظيم حرارة الجسم لديهم لا يزال غير مكتمل، الأمر الذي يجعلهم أكثر عرضة للجفاف خلال موجات الحر.
وأشار الدكتور الخير إلى أن الحد من هذه المخاطر يبدأ من اعتماد سلوكيات صحية على المستوى الفردي والمجتمعي، لافتاً إلى أن الدراسات تربط بين الإفراط في استهلاك اللحوم المصنعة وزيادة الانبعاثات البيئية، كما تؤكد أن التدخين، ولا سيما لدى النساء الحوامل أو التعرض لدخانه، يزيد من خطر إصابة الأطفال بالالتهابات الفيروسية والمضاعفات التنفسية.
بدورها، تحدثت الاختصاصية في طب الشيخوخة الدكتورة كريستين القاعي عن تأثير التغير المناخي على كبار السن، مؤكدة أن القضية لا تقتصر على ارتفاع درجات الحرارة، بل تشكل تحدياً حقيقياً للصحة العامة، خاصة لدى الفئات الأكثر هشاشة.
وأوضحت أن التغيرات الفيزيولوجية المرتبطة بالتقدم في العمر تؤثر على آلية الإحساس بالعطش، إضافة إلى وجود أمراض مزمنة كقصور القلب والكلى، ومشكلات الذاكرة وصعوبة الحركة، وهي عوامل تزيد من خطر الإصابة بالجفاف والمضاعفات الصحية خلال فترات الحر الشديد.
وقدمت مجموعة من التوصيات الوقائية، أبرزها شرب المياه بشكل منتظم ومتكرر حتى في غياب الشعور بالعطش، وتجنب التعرض المباشر لأشعة الشمس أو البقاء في الأماكن الحارة، إضافة إلى ضرورة الاطمئنان على كبار السن من خلال الاتصال بهم أو زيارتهم خلال موجات الحر، مؤكدة أن الوقاية تبقى الوسيلة الأهم لحماية هذه الفئة من المخاطر الصحية المرتبطة بالتغير المناخي.
وفي ختام الندوة، شدد المشاركون على أهمية تعزيز التعاون بين القطاعين الصحي والبيئي، والاستمرار في تنظيم اللقاءات العلمية والتوعوية التي تساهم في رفع مستوى الوعي المجتمعي، مؤكدين أن مواجهة آثار التغير المناخي تتطلب مسؤولية مشتركة تبدأ من السلوك الفردي وتمتد إلى السياسات الصحية والبيئية المستدامة.