بعد الضربات التي استهدفت منشآت نووية إيرانية خلال السنوات الأخيرة، عاد اسم "​جبل الفأس​" إلى واجهة الاهتمام الدولي، ليس بوصفه موقعاً جغرافياً فحسب، بل باعتباره أحد أكثر المشاريع غموضاً في ​البرنامج النووي الإيراني​. ومع تزايد الحديث عن منشآت تُبنى في أعماق الجبال، برزت تساؤلات حول ما إذا كانت طهران دخلت مرحلة جديدة في حماية بنيتها النووية، تقوم على رفع كلفة أي هجوم عسكري وجعل القضاء على برنامجها أكثر تعقيداً.

ما هو جبل الفأس؟

لا يشير اسم "جبل الفأس" إلى منشأة نووية معلنة رسمياً، بل إلى موقع جبلي يُعرف محلياً باسم "كوه كولانغ غاز لا"، يقع قرب مجمع نطنز لتخصيب اليورانيوم، على بُعد نحو 220 كيلومتراً جنوب طهران. ويختلف عن ​منشأة نطنز​ في أن الجبل نفسه يشكّل غطاءً دفاعياً طبيعياً، إذ يُعتقد أن المنشآت تقع داخل شبكة أنفاق عميقة في الكتلة الصخرية، وليس فقط تحت طبقات من الخرسانة المسلحة.

وبحسب مصادر، بدأ إنشاء الموقع بعد عملية التخريب التي استهدفت نطنز عام 2020، عندما أعلنت إيران أنها ستنقل إنتاج وتجميع أجهزة الطرد المركزي المتطورة إلى منشأة أكثر تحصيناً داخل الجبال. ومنذ ذلك الحين، برز جبل الفأس كجزء من استراتيجية جديدة تقوم على نقل المكونات الأكثر حساسية إلى مواقع يصعب كشفها أو استهدافها.

وتشير المصادر إلى أن أهمية الموقع لا تكمن في كونه بديلاً لمنشأة تضررت في نطنز، بل في أنه قد يمثل جيلاً جديداً من البنية التحتية النووية الإيرانية، يعتمد على منشآت أقل ظهوراً على السطح وأكثر تحصيناً داخل الجبال.

لماذا انتقلت إيران إلى المنشآت الجبلية؟

بحسب المصادر، لم يكن هذا التحول مفاجئاً، بل جاء نتيجة سنوات من عمليات التخريب والهجمات السيبرانية والاغتيالات التي استهدفت البرنامج النووي الإيراني. فقد شكل انفجار نطنز عام 2020، إلى جانب اغتيال عدد من العلماء النوويين، أبرزهم محسن فخري زاده، نقطة تحول في العقيدة الدفاعية الإيرانية.

وتؤكد المصادر أن طهران خلصت إلى أن المنشآت التقليدية، مهما بلغت درجة تحصينها، تبقى عرضة للاستهداف، بينما تسمح المنشآت الجبلية بالحفاظ على المعدات الحساسة وإعادة تشغيل البرنامج بسرعة حتى بعد أي هجوم. كما أن ما يُعرف بـ"حرب الظل" بين إيران و​إسرائيل​، والتي شملت هجمات سيبرانية وعمليات تخريب وجمع معلومات استخباراتية، عززت هذا التوجه.

هل ينافس جبل الفأس ​منشأة فوردو​؟

بحسب خبراء، يثير ظهور جبل الفأس تساؤلات حول ما إذا كانت إيران دخلت مرحلة جديدة في تحصين برنامجها النووي، وما إذا كان الموقع بات ينافس منشأة فوردو أو يتجاوزها من حيث الأهمية الاستراتيجية.

وتشير التقديرات إلى أن المقارنة بين الموقعين لا تقتصر على العمق الجغرافي، بل تشمل طبيعة الصخور، ومستوى التحصين، وتصميم الأنفاق، وصعوبة رصد النشاط داخلهما، إضافة إلى نوع المنشآت التي يُعتقد أنها أُنشئت في كل منهما. وترى المصادر أن جبل الفأس قد يجسّد ما يُوصف بـ"الجيل الجديد" من المنشآت النووية الإيرانية، القائم على شبكات أنفاق أكثر تعقيداً وتحصيناً.

كيف يغيّر الحسابات العسكرية؟

بحسب المصادر، يفرض هذا التطور تحديات جديدة أمام أي عمل عسكري محتمل، إذ تزداد صعوبة استهداف المنشآت العميقة مقارنة بالمواقع التقليدية، ما يثير تساؤلات حول فعالية الضربات الجوية التقليدية، وإمكانية استخدام القنابل الخارقة للتحصينات، وما إذا كانت قادرة على تعطيل هذه المنشآت أو تدميرها بالكامل.

وترى المصادر أن تعقيد استهداف هذه المواقع قد يرفع كلفة أي هجوم أميركي أو إسرائيلي، ويقلّص فرص القضاء الكامل على البرنامج النووي، ويدفع نحو زيادة الاعتماد على الاستخبارات والعمليات السرية، مثل التخريب والهجمات السيبرانية وجمع المعلومات، بدلاً من الاكتفاء بالقصف الجوي.

الجبل كأداة ردع

تشير المصادر إلى أن الردع الإيراني لم يعد يعتمد فقط على الصواريخ والطائرات المسيّرة، بل أيضاً على بناء منشآت يصعب تدميرها، بما يمنح طهران قدرة أكبر على الحفاظ على برنامجها النووي أو إعادة تشغيله بعد أي هجوم، ويوجّه رسالة إلى ​الولايات المتحدة​ وإسرائيل مفادها أن الخيار العسكري قد يؤخر البرنامج، لكنه لن يكون كافياً لإنهائه.

ورغم ذلك، لا توجد حتى الآن معلومات رسمية تؤكد بصورة قاطعة طبيعة جميع المنشآت داخل جبل الفأس أو حجم الأنشطة التي تُنفذ فيه. لكن المؤكد، بحسب خبراء وتقارير غربية، هو أن إيران تتجه نحو بنية تحتية نووية أكثر تحصيناً وتعقيداً، ما يجعل معادلة الصراع لا ترتبط فقط بمستوى التخصيب أو عدد أجهزة الطرد المركزي، بل أيضاً بقدرة طهران على حماية برنامجها داخل الجبال وإطالة أمد أي مواجهة عسكرية محتملة.