على الرغم من أنّ المنطقة لا تزال تعيش على وقع الحروب المشتعلة منذ السابع من تشرين الأول 2023، فإنّ ذلك لا يلغي وجود مخاطر جديدة لا تقلّ أهمية، تتمثّل في لعبة تشكيل التحالفات الكبرى التي تبرز في المرحلة الراهنة، بفعل المخاطر التي كشفت عنها تلك الحروب، إلى جانب الفرص التي تسعى مختلف الدول الفاعلة إلى استغلالها.
في هذا السياق، قد يكون العنوان الأبرز هو تراجع النفوذ الإيراني، الذي يجري الترويج له على نطاق واسع، في مقابل صعود النفوذين الإسرائيلي والتركي. فتَل أبيب تعتبر نفسها «منتصرة» وتسعى إلى ترجمة ذلك عمليًا، في حين ترى أنقرة أنّها نجحت في تحقيق التحوّل الأهم، بعد سقوط النظام السوري السابق، فضلًا عن التفاهمات الاستراتيجية التي تعقدها مع الرياض.
وما تقدّم يقود إلى استنتاج مفاده أنّ كلًا من إسرائيل وتركيا تسعيان إلى أن تكونا وريثتَي النفوذ الإيراني في المنطقة، ما يفسّر جانبًا من التوتر القائم بينهما، بل وحتى الرسائل العسكرية التي تحاول تل أبيب توجيهها إلى أنقرة، تحديدًا عبر البوابة السورية، انطلاقًا من وجود خطوط حمراء لا يمكن لتركيا تجاوزها، في وقت لا تزال أنقرة تتجنّب الرد بالمثل.
وانطلاقًا من ذلك، يمكن فهم معادلة التحالفات الناشئة. وكان أولها التحالف الذي يضمّ السعودية وباكستان وتركيا تحت اسم «تحالف مكة». وعلى الرغم من طابعه العسكري الدفاعي، فإنّ له أبعادًا اقتصادية تبدو أكثر أهمية، تتمثّل في الصراع على المعابر والممرات، ولا سيما بعد التداعيات التي أفرزتها أزمة مضيق هرمز نتيجة الحرب على إيران، إضافة إلى المخاطر المحيطة بمضيق باب المندب.
في المقابل، يبرز تحالف آخر بدأت ملامحه بالظهور قبل ولادة التحالف الأول، ويضمّ الهند وإسرائيل واليونان وقبرص. إلا أنّه، من الناحية العملية، لم يتحوّل حتى الآن إلى إطار معلن ورسمي، رغم التفاهمات القائمة بين القوى المشاركة فيه. وهو أيضًا لا يقتصر على الجانب العسكري، بل يشكّل جزءًا أساسيًا من الصراع على المعابر والممرات في المنطقة.
ومن العلامات الفارقة في هذين التحالفين أنّ الولايات المتحدة ترتبط بعلاقات جيدة مع أعضاء كلّ منهما، وبالتالي تبقى الطرف الأكثر قدرة على رعاية التوازنات بينهما. وهذا ما يفسّر حرصها على عدم إظهار دعمها لأحدهما على حساب الآخر، بل تسعى إلى الإيحاء بأنها راضية عن كليهما، رغم التوترات الواضحة التي يمكن أن تنفجر في حال حصول أي خطأ في الحسابات الاستراتيجية.
مع العلم أنّ واشنطن كانت تراهن، منذ سنوات، على المشاريع الاقتصادية باعتبارها بوابة نحو دفع دول المنطقة إلى تطبيع علاقاتها مع إسرائيل.
وما تقدّم يفتح الباب أمام الحديث عن الواقع اللبناني تحديدًا، خصوصًا أنّ الساحة المحلية تعيش واحدة من أخطر المراحل في تاريخها. فالأزمة لا تقتصر على الحرب الإسرائيلية المستمرة، بل تشمل أيضًا الانقسام الداخلي الحاد، الذي قد يكون مقدمة لما هو أخطر في المستقبل، نظرًا إلى أنّ بيروت تبقى، في نهاية المطاف، جزءًا من الصراع القائم بين المحورين، بشكل أو بآخر، بسبب قدرة اللاعبين الخارجيين على التأثير في خياراتها.
وبالمقارنة مع سوريا، اختارت دمشق أن تكون في قلب المحور الذي تبرز فيه تركيا لاعبًا أساسيًا، نظرًا إلى امتلاكها التأثير الأكبر على السلطة الحاكمة هناك. أما في لبنان، فيبدو المشهد أكثر تعقيدًا بسبب تعدّد القوى القادرة على التأثير، وهو ما ينعكس عمليًا في الانقسام الداخلي حول الخيارات، في حين تبدو الإشارات الرسمية متناقضة.
وفي هذا الإطار، يمكن القول إنّ الجانب اللبناني يسعى إلى أن يكون جزءًا من المشاريع الاقتصادية التي تمثّل سوريا عقدة رئيسية فيها، من خلال الاتفاقات التي تُعقد بين الجانبين، ما يعني عمليًا وجود لبنان في الموقع الأقرب إلى المحور الأول. لكن، في المقابل، هناك مؤشرات توحي بأنّ البعض يفضّل أن يكون أقرب إلى المحور الثاني، وهو ما يفسّر الحملة التي شُنّت على زيارة رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى اليونان أول من أمس، بعد الحملة التي رافقت اتفاق ترسيم الحدود البحرية مع قبرص.
في المحصلة، يبقى من الطبيعي التأكيد أنّ لبنان، في ظلّ الصراع المفتوح بين المحورين، لن يكون من السهل عليه أن ينأى بنفسه عن التجاذبات الإقليمية أو أن يبقى بعيدًا عن تأثير القوى الخارجية المعنية. ولا ينبغي، في هذا السياق، تجاهل أنّ إيران لن تتخلّى بسهولة عن نفوذها. كما أنّ التجارب التاريخية التي مرّت بها البلاد تثبت أنّ لبنان يجد نفسه، في نهاية المطاف، متأثرًا بالصراعات الإقليمية والدولية المحيطة به.























































