يومًا بعد يوم، يتقدّم المسار الخارجي الذي فتحه اتفاق واشنطن، على الرغم من هشاشة وقف إطلاق النار الذي أرساه بين لبنان وإسرائيل. فبعد إطلاق التنفيذ في "المناطق التجريبية" جنوب لبنان، وتحديد الرابع من آب موعدًا لجولة جديدة من المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية في إيطاليا، تجاوز النقاش فعليًّا مسألة موعد الانسحاب الإسرائيلي إلى أفق أوسع: كيف تنتهي الحرب، وما شكل العلاقة التي ستنشأ بعد انسحاب القوات الإسرائيلية وانتشار الدولة؟
غير أنّ هذا التقدّم الخارجي لا يقابله حتى الآن مسار داخلي بالوضوح نفسه. فالدولة تفاوض واشنطن على الضمانات والدعم، وتفاوض إسرائيل على الانسحاب والترتيبات الأمنية، فيما يبقى "حزب الله"، المعني مباشرة بالبند الأكثر حساسية في الاتفاق، خارج الطاولتين ومتحفّظًا على المسار كله، من دون أن يتحوّل اعتراضه حتى الآن إلى تعطيل فعلي للتنفيذ، لا سيما على الصعيد الميداني.
بذلك، يتحرك لبنان نحو التزامات تتعلق بنهاية السلاح، من دون أن تكون قد تشكّلت بعد آلية لبنانية واضحة للتفاهم مع الحزب على معنى هذه النهاية وشروطها. هنا تظهر المفارقة الأساسية: لبنان يتقدم، وإن بسرعات متفاوتة، على طاولتين خارجيتين، فيما تبقى الطاولة الثالثة شبه غائبة عن أي مسار معلن. ومن هنا تُطرَح تساؤلات جوهرية حول من سيتولى التفاوض مع "حزب الله" باسم الدولة، وبأي تفويض، وعلى أساس أي ضمانات سياسية وأمنية.
من اتفاق ميداني إلى مسار سياسي
حين تمّ الإعلان عن اتفاق الإطار، قُدِّمت "المناطق التجريبية" بوصفها اختبارًا ميدانيًّا محدودًا: تنسحب إسرائيل من رقعة معينة، ينتشر الجيش فيها، يجري التحقق من خلوّها من السلاح، ثم تنتقل الآلية إلى منطقة أخرى. لكن استمرار المفاوضات المباشرة، والانتقال إلى جولة جديدة في روما، وحديث الرئيس جوزاف عون عن إنهاء حالة العداء، تكشف أن هذه المناطق ليست غاية الاتفاق، إنما هي المدخل التنفيذي لمسار أوسع.
بهذا المعنى، ينتقل لبنان تدريجيًّا من إدارة الاشتباك إلى هندسة تسوية طويلة الأمد. فالمطروح لم يعد مجرد هدنة قابلة للانهيار أو ترتيبات حدودية مؤقتة، بل إعادة تعريف للعلاقة مع إسرائيل، تشمل الأمن والانسحاب والسلاح والرقابة وإعادة الإعمار وعودة الأهالي. أما الجغرافيا الصغيرة التي يبدأ منها التنفيذ، فلا تختصر حجم التحوّل السياسي الذي يُراد بناؤه عليها.
غير أنّ هذا الانتقال يضع الدولة أمام مسؤولية تتجاوز إدارة الانتشار العسكري، فالتفاوض على نهاية العداء لا يقتصر على ضبط الحدود، بل يمسّ موقع المقاومة والسلاح وقرار الحرب والسلم داخل النظام اللبناني. لذلك لا يمكن التعامل مع جولة المحادثات المقبلة في روما بوصفها اجتماعًا تقنيًّا لاستكمال خرائط الانسحاب، فهي جزء من عملية تعيد تعريف ما يمكن للبنان الالتزام به، وما ستلتزم به إسرائيل في المقابل، ومن يضمن تنفيذ الالتزامات المتبادلة من دون أن تختلّ لاحقًا.
طاولة واشنطن وترتيب الالتزامات
من هذه النقطة تحديدًا، حاول الرئيس جوزاف عون خلال لقائه الرئيسَ الأميركي دونالد ترامب تثبيتَ ترتيب لبناني للخطوات، يبدأ بالانسحاب الإسرائيلي ودعم الجيش، بما يمنح الدولة قدرة أكبر على معالجة السلاح داخليًّا. فالانسحاب، وفق هذه المقاربة، ليس مكافأة تأتي بعد تنفيذ لبنان كل التزاماته، وإنما شرط سياسي وميداني يساعد السلطة على إسقاط الذرائع التي يستند إليها استمرار السلاح خارجها.
لكن لقاء البيت الأبيض لم ينتج، في المواقف المعلنة، موعدًا ملزمًا للانسحاب، فيما ظلّت المطالب المتعلقة بـ"حزب الله" أكثر وضوحًا من الالتزامات المقابلة المطلوبة من إسرائيل. فقد تحدث ترامب عن بدء إسرائيل الانسحاب، وأعاد في الوقت نفسه وضع "حزب الله" في صدارة المشكلة، فيما حمل عون معه تصوّرًا مكتوبًا لمعالجة ترسانة الحزب. لذلك لم تكن واشنطن محطة لإعلان مقايضة مكتملة، بقدر ما كانت طاولة للتفاوض على ترتيب الالتزامات وأولوية كل منها.
بهذا المعنى، لم تكن واشنطن مجرد محطة للحصول على الدعم، بل طاولة لإعادة توزيع المسؤوليات. فالولايات المتحدة تمنح الرئاسة والجيش احتضانًا سياسيًّا، وتقدّم نفسها راعيةً للمسار، لكنها تتوقع في المقابل أن تتحوّل مؤسسات الدولة إلى الأداة التنفيذية لمعالجة البنية العسكرية للحزب.
يمنح هذا الغموض كل طرف مساحة للمناورة، لكنه يضع لبنان أمام خلل واضح. فالمطلوب منه يتصل بخطوات داخلية قابلة للقياس، من انتشار الجيش إلى إزالة البنى العسكرية والتقدم نحو حصرية السلاح، بينما يبقى الانسحاب الإسرائيلي خاضعًا للتدرج والاعتبارات الأمنية الإسرائيلية. وبذلك، قد يتحول الدعم الأميركي للدولة من أداة لتقويتها إلى وسيلة لرفع سقف ما يُطلب منها، من دون تثبيت التزام موازٍ على الجانب الإسرائيلي.
روما والخلاف على نقطة البداية
هكذا، يدخل لبنان وإسرائيل الجولةَ المقبلة بترتيبين متعارضين للأولويات. فبينما يسعى لبنان إلى ترسيخ مبدأ أن الانسحاب يفتح الطريق أمام حصر السلاح، تنطلق إسرائيل من ترتيب معاكس يعدّ إزالة التهديد شرطًا للعودة إلى الحدود. لذلك، لا يدور الخلاف حول سرعة التنفيذ وحدها، وإنما حول ترتيب السبب والنتيجة نفسه: هل تستعيد الدولة الأرض كي تتمكن من استعادة قرارها، أم تستعيد قرارها أولًا كي تنسحب إسرائيل؟
بين الترتيبين، تتحول التفاصيل التقنية إلى أدوات سياسية، لأن نتائج المفاوضات لن تبقى محصورة بالحدود. فقبول أي ترتيب يربط الانسحاب بمراحل داخلية محددة يعني أن الدولة ستكون قد أدخلت ملف السلاح ضمن التزام دولي مباشر. أما الإبقاء على الانسحاب مفتوحًا أمام التقدير الأمني الإسرائيلي، فيمنح تل أبيب قدرة على استخدام كل تأخير لبناني لتبرير وجودها، فيما يتحول كل تأخير إسرائيلي إلى ذريعة داخلية للتمسك بالسلاح.
لهذا لا تبدو جولة المحادثات المقبلة في روما محصورة بالوضع في الجنوب وحده. فإدخال السلاح ضمن آلية الانسحاب يعني أن جولة روما تمس توازن السلطة داخل لبنان، ولا تقتصر على تحديد المواقع التي ستغادرها القوات الإسرائيلية. وقد تجد الدولة نفسها أمام التزام خارجي يتعلق ببنية عسكرية داخلية، من دون أن تكون قد حسمت بعد كيفية تنفيذه أو الجهة اللبنانية المخولة التفاوض بشأنه.
الطاولة الغائبة
يبقى "حزب الله" خارج الاتفاق، لكنه حاضر في كل بند تقريبًا، فالاتفاق يتناول سلاحه ومواقعه ودوره في الجنوب. وقد أعلن الحزب رفضه الإطارَ والمفاوضات المباشرة مع إسرائيل، وتمسَّك بعدم التخلي الكامل عن سلاحه، بيد أن اعتراضه لم يتحوّل حتى الآن إلى تعطيل فعلي للتنفيذ. وقد تبدو هذه الوضعية رماديةً، لكنها لا تُشكّل تسوية، لأن عدم تعطيل التنفيذ لا يُساوي قبولًا سياسيًّا، كما أن الامتناع عن الاعتراض بالقوة لا يعني استعداد الحزب لتنفيذ جوهر الاتفاق.
صحيح أن غياب الطاولة لا يعني انعدام التواصل بين الرئاسة والحكومة والحزب عبر القنوات السياسية المعتادة. لكن الفارق كبير بين التواصل العام والتفاوض المحدد على مصير السلاح. فالأول يسمح بتبادل المواقف واحتواء التوتر، بينما يحتاج الثاني إلى جدول أعمال واضح، وأطراف مخولة، وضمانات، وجدول زمني، وصيغة متفق عليها لنقل القرار العسكري إلى الدولة.
هنا، بدا أن عرض ترامب التحدث مع الحزب كشف هذا الفراغ أكثر مما عالجه. فالمشكلة ليست فقط في غياب قناة أميركية مع "حزب الله"، وإنما في غياب قناة لبنانية معلنة تتولى مناقشة مصير السلاح ودور الحزب وضماناته. وإذا أصبح الخارج هو الذي يفاوض الحزب على مسألة تقع في صلب النظام اللبناني، تكون الدولة قد نقلت أصعب استحقاق سيادي إلى الوسيط نفسه الذي يرعى مفاوضاتها مع إسرائيل.
أي عقد داخلي تحتاجه الدولة؟
وخلاصة القول، لا يحتاج لبنان إلى مؤتمر حوار تقليدي يعيد إنتاج النقاشات السابقة حول "الاستراتيجية الدفاعية" من دون مهل محددة أو نتائج ملزمة، إذ تجاوزت المرحلة الراهنة الشعاراتِ المفتوحة. المطلوب عقد سياسي محدد يعالج مصير السلاح الثقيل والبنية العسكرية، ودور الحزب السياسي بعد الحرب، وضمانات عدم الاستهداف الإسرائيلي، وهواجس البيئة الشيعية في مرحلة ما بعد السلاح، إضافة إلى إعادة الإعمار وعودة النازحين وتعزيز حضور المؤسسات في الجنوب.
يتصل هذا العقد أيضًا بشرعية القرار نفسه. فالتسوية المطروحة أكبر من أن تبقى محصورة بما يتوصل إليه وفد تفاوضي أو بتغطية سياسية ضيقة، لأنها تمس قرار الحرب والسلم وشكل العلاقة مع إسرائيل وتوازن النظام الداخلي. لذلك يصبح السؤال عن دور الحكومة والمجلس النيابي جزءًا من معركة السلاح، لا تفصيلًا إجرائيًا يأتي بعد الاتفاق: من يملك إلزام لبنان بتسوية بهذا الحجم، ومن يراقب تنفيذها، ومن يتحمل مسؤولية نتائجها؟
يتقدم لبنان اليوم على طاولتَي واشنطن وروما، لكنه لم يجلس بعد إلى الطاولة التي ستحدد قدرة الاتفاق على الحياة. فالانسحاب يمكن التفاوض على خرائطه، وانتشار الجيش يمكن تنظيم مراحله، أما انتقال السلاح إلى الدولة فلا يُنجز بالتعليمات ولا بالرقابة الخارجية وحدها. ما ينقص المسار ليس وسيطًا جديدًا، وإنما عقد داخلي يحدد شكل لبنان بعد الحرب، ويجعل إنهاءَ السلاح خارج الدولة جزءًا من استعادة الدولة لقرارها، لا سببًا لانقسام جديد حوله.