لم يكن لقاء القمة الذي جمع الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره اللبناني جوزاف عون في المكتب البيضاوي مجرد بروتوكول دبلوماسي عابر تفرضه مقتضيات السياسة الدولية، بل كان إعلاناً صريحاً عن ولادة "حقبة ثالثة" في تاريخ العلاقات اللبنانية-الأميركية. إن الغوص في تفاصيل هذا اللقاء، وتشريح كلمة الرئيس عون في واشنطن، يكشفان عن تحولات عميقة في الرؤية الدولية للبنان، تتجاوز مفهوم "الاستقرار الهشّ" نحو "الحسم البنيوي" لهوية الدولة ودورها الوظيفي في المنطقة.
كسر النمطية التاريخية
الافتراض الأول الذي يجب تحدّيه في هذه القراءة هو أن لبنان مجرد "عبء" أو "ملف ثانوي" على الأجندة الأميركية المزدحمة. كلام ترامب عن "سوء المعاملة" التي تعرض لها لبنان، وتفضيله الشخصي لهذا البلد بسبب أصدقائه اللبنانيين، يعكس تحولاً جذرياً من النظرة "الوظيفيّة" للبنان كساحة لتصفية الحسابات، إلى النظرة "القيمية" ككيان يضم نخبًا فكرية وطبية وقانونية تستحق الاحترام لذاتها. ترامب هنا لا يغازل العاطفة اللبنانية فحسب، بل يؤسّس لشرعية تدخل أميركي من نوع جديد تحت عنوان "ردّ الاعتبار" لدولة تمّ تهميشها طويلاً. هذا "التفضيل" الترامبي هو بمثابة "غطاء سياسي" لخطوات كبرى قادمة، تهدف إلى انتزاع لبنان من مخالب الصراعات الإقليميّة ووضعه على سكة "الاستثناء الإيجابي".
وراثة السلام الموعود
عندما خاطب عون ترامب قائلاً: "سيكون ذلك إرثك"، فإنّه لم يكن يوزع مجاملات دبلوماسيّة، بل كان يضع "صيغة الإطار" لإنهاء الصراع مع إسرائيل في مرتبة "الإنجاز التاريخي" الذي يربط اسم ترامب باستقرار الشرق الأوسط للأبد. هذا الذكاء السياسي في الخطاب يعكس فهماً عميقاً لسيكولوجيّة الرئيس الأميركي الذي يبحث دائماً عن "الصفقات الكبرى" التي تخلد اسمه كصانع سلام عالمي. عون هنا لا يطلب مساعدة، بل يعرض "شراكة في صناعة التاريخ"، وهو ما جعل ترامب يصفه بالرئيس "على قدر عال من الاحترام" والقائد الذي يمكن أن يكون "عظيماً في الشرق الأوسط". هذه "العظمة" الموعودة ليست لشخص عون فحسب، بل هي استعادة لمكانة الرئاسة اللبنانيّة كلاعب محوري في التوازنات الإقليمية.
تشريح بنية السلاح
في كلمته المفصلية خلال عشاء واشنطن، قدم الرئيس عون مقاربة غير مسبوقة، وأكاديمية بامتياز، لمسألة سلاح حزب الله. الغوص في ما بين السطور يكشف عن "واقعية جريئة"؛ فهو لم يصف الحزب كقوّة احتلال غريبة أو عدوّ خارجي، بل كجماعة من "المواطنين اللبنانيين" تشكلت نتيجة استثمار أيديولوجي واجتماعي وعسكري هائل على مدى أربعين عاماً. هذا التشريح يخرج المسألة من إطار "الصدام العسكري الجبهوي" إلى إطار "التفكيك البنيوي الشامل". عون يطرح معادلة دولية مجربة: نزع السلاح، التسريح، وإعادة الإدماج، مستشهداً بنماذج ناجحة مثل كولومبيا وأيرلندا الشمالية (وكانت "النشرة" أول من استشهدت في هذا النموذج في مقال سابق بهذا الأمر). هذه القراءة السياسية العميقة هي "خارطة طريق" تقدم لصانع القرار في واشنطن بديلاً عقلانياً عن سيناريوهات الحرب الأهليّة أو الاستنزاف اللامتناهي، مؤكّدة أن الحل يبدأ بـ"إزالة السبب الجذري" (الاحتلال) وينتهي بـ"بسط سلطة الدولة الحصرية".
شرعية الجيش المطلقة
الركيزة الأساسية والعمود الفقري في رؤية عون هي "احتكار العنف الشرعي". تأكيده المتكرر، سواء في المكتب البيضاوي أو أمام النخب في واشنطن، على أن الجيش هو "أساس الأمن والاستقرار" و"المؤسسة التي تتمتع بأكبر مقدار من الثقة"، هو رد استراتيجي مباشر على فرضية "توازن الرعب" التي يُروّج لها في الداخل اللبناني من البعض. عون يربط استقرار المنطقة بأكملها باستقلالية وقوّة الجيش اللبناني، محذراً بلغة الأرقام والوقائع التاريخية من تكرار سيناريو 1975 الكارثي. الرسالة الموجّهة للباحث والأكاديمي هنا هي أن "الدولة القويّة" ليست مجرد شعار رومانسي، بل هي "المختبر" الوحيد الناجح الذي يمكن أن يحل محل الفراغ الأمني الذي استغله "الآخرون" لعقود. دعم الجيش في رؤية عون هو "استثمار في السلام" وليس مجرد معونة عسكرية.
ذكاء الثنائية الشيعية
في حواره الصريح حول موقف رئيس المجلس النيابي نبيه بري، أظهر عون براعة فائقة في "تفكيك المواقف المركّبة". عبر وصفه لبري بأنه "رجل دولة" و"شخص جيد" يريد فعلاً إنهاء الحرب لأنه يرى الجنوب (بيئته ومنبته) يُدمَّر أمام عينيه، هو محاولة ذكية لـ"لبننة" الموقف الشيعي الرسمي وفصله عن الحسابات الإقليمية الضيقة التي تفرضها طهران. عون هنا لا يتصادم مع بري، بل يمنحه "سلماً وطنياً" للنزول عن شجرة المواقف المتصلبة والمشاركة في صياغة الحلّ النهائي، مع مراعاة دقيقة لموقفه كمسؤول رسمي للطائفة. هذا التحليل "ما بين السطور" يشير إلى وجود "قنوات خلفيّة" وتفاهمات ضمنيّة لبنانية-لبنانية تهدف إلى حماية الطائفة الشيعيّة عبر دمجها في مشروع الدولة، بعيداً عن مغامرات المحاور.
الظل السوري الجديد
المفاجأة الكبرى التي تستحق التوقف عندها طويلاً كانت كلام ترامب عن "أحمد الشرع" وتدخله المحتمل في ملف حزب الله. قراءة هذا التصريح بعمق استراتيجي تشير إلى "هندسة إقليميّة" جديدة كلياً؛ فربط استقرار سوريا باستقرار لبنان، والإشارة إلى قدرة الشرع (الذي أعاد جمع شتات سوريا) على التعامل مع ملف الحزب، تعني أن واشنطن والقيادة اللبنانية الجديدة تبحثان عن "وكلاء استقرار" محليين وإقليميين لتقليص النفوذ الإيراني "بالقوة الناعمة" أو عبر توازنات القوى الميدانية، دون الحاجة لتورط عسكري أميركي مباشر. عون، بصمته الموحي وتعليقاته المقتضبة، يبدو وكأنه "المهندس الصامت" لهذا "المرور الآمن" نحو إقليم خالٍ من الميليشيات العابرة للحدود.
الاقتصاد كفعل سيادي
المعادلة الجوهرية التي طرحها عون في واشنطن هي: "مسار سياسي من دون مسار اقتصادي هو دولة لا يمكنها المنافسة". هذا الربط العضوي هو قلب "لبنان الجديد" الذي يسوّق له رئيس الجمهورية. هو يدرك أن الجيش القوي في دولة مفلسة هو مجرد "حارس للمقابر"، ولذلك يطالب بـ"دولة فاعلة تحقق وعودها" لمواطنيها. حديث ترامب عن عودة الرحلات الجوية والنجاح الاقتصادي للاتفاقات الإبراهيميّة يصب مباشرة في هذه الخانة. الرؤية العونيّة هنا هي تحويل لبنان من "ساحة معركة" دائمة إلى "منصة استثمار" إقليمية، وهو التحول الجذري الذي يراهن عليه لانتزاع مبررات وجود السلاح غير الشرعي؛ فالمواطن الذي يجد "دولة الرفاه والفرص" لن يبحث عن "حماية فريق مسلّح".
دبلوماسية السجل الذهبي
ختم عون زيارته التاريخية بتدوينة في "السجل الذهبي" للبيت الأبيض، مؤكداً على ثلاثية "السيادة والكرامة والازدهار". ما وراء الكلمات في هذه الزيارة هو أن لبنان، بلسان جوزاف عون، لم يعد يذهب إلى واشنطن بـ"يدين فارغتين" أو طالباً لـ"إعانات طارئة"، بل ذهب بـ"مشروع متكامل" وشراكة استراتيجية ندّية. القمة الأميركية-اللبنانية في تموز 2026 لم تكن مجرد لقاء قمة، بل كانت "لحظة الحقيقة" التي وضع فيها عون العالم أمام مسؤولياته الأخلاقية والسياسية: إما دعم بناء دولة حقيقية بجيش واحد وقرار واحد، أو القبول ببقاء المنطقة في دوامة "الفوضى الخلاقة".
في الختام، إن القراءة النهائية والشاملة لهذا الحدث تشير إلى أن "جوزاف عون" نجح بامتياز في تسويق نفسه كـ"قائد إنقاذ وطني" يحظى بثقة استثنائيّة من البيت الأبيض، وقادر على قيادة لبنان نحو شاطئ الأمان في أعنف عواصف المنطقة. لقد استطاع عون أن يقنع ترامب بأن "الاستثمار في لبنان" هو استثمار ناجح ومربح سياسياً. وبذلك، يكون قد أعاد تعريف "الرئاسة اللبنانية" من منصب لتوزيع الحصص، إلى منصّة لصناعة السيادة الوطنية، متسلحاً بـ"روح الشعب اللبناني" التي وصفها ترامب بأنها "القوة الجبّارة التي ستجعل من المستحيل ممكناً". نحن اليوم أمام "لبنان جوزاف عون"، الدولة التي تبحث عن مكانها تحت الشمس، بعيداً عن ظلال الحروب، وبالشراكة مع القوّة العظمى التي قرّرت أخيراً أن تعامل لبنان "بالاحترام الذي يستحقه".





















































