أن يوقف ​المجلس الدستوري​، برئاسة القاضي ​طنوس مشلب​، تنفيذ ​قانون العفو العام​ بناءً على الطعن المقدّم من نواب تكتل «​لبنان​ القوي»، لأمرٌ بديهي وطبيعي ومتوقّع في الأوساط القانونية والدستورية، ولو أن هذا المجلس الدستوري نفسه لم يسبق له أن أوقف تنفيذ الكثير من القوانين التي طُعن فيها أمامه.

لكن من يقرأ قانون العفو بتناقضاته ومخالفاته القانونية وعباراته المشفّرة، ومن يعرف من النواب الساكتين عن الحق على أي نص جرى التصويت في مجلس النواب، وما الذي نُشر في ​الجريدة الرسمية​ من صيغة مشوّهة، يدرك حجم الفضيحة التي نحن أمامها.

يكفي أن يقرأ رئيس المجلس الدستوري وأعضاؤه الحديث الذي أدلى به المدعي العام التمييزي، القاضي ​أحمد رامي الحاج​، لصحيفة «الجمهورية»، كي يتأكدوا من أننا أمام ​فضيحة قانونية​ مدوّية وغير قابلة للتنفيذ!

ويكفي أن يتابع رئيس المجلس الدستوري وأعضاؤه الفيديو الذي صوّرته ونشرته النائبة ​بولا يعقوبيان​ على وسائل التواصل الاجتماعي، كي يشاهدوا ويسمعوا كيف شهد شاهد من أهله على حجم التزوير الحاصل!

ألا تكفي مهاجمة يعقوبيان لقانون العفو الذي صدر، بعدما سبق لها أن خاضت معركة إقراره في مجلس النواب، قبل الجلسة التشريعية التي أُقرّ فيها وفي أثنائها، في 13 آب الفائت؟

هي صوّتت على العفو لرفع المظلومية، وفي نهاية المطاف قرأت في الجريدة الرسمية عكس ما صوّتت عليه، وهذا ما فنّدته بالصوت والصورة.

عمليًا، تُوجَّه اليوم اتهامات إلى دوائر مجلس النواب بالتلاعب بصيغة قانون العفو العام الذي تم التصويت عليه بهدف تشويهه.

لذلك، ترتفع يومًا بعد يوم حظوظ إبطال قانون العفو العام من قبل المجلس الدستوري. وهنا يقول مرجع دستوري كبير لـ«​النشرة​»: «صحيح أن المجلس الدستوري ينظر في دستورية القوانين، ولكن إذا تبيّن له أن هناك تلاعبًا بالقانون، حُكمًا يكون الحل عبر الإبطال. كيف؟».

يتابع المرجع الدستوري الكبير كلامه قائلًا: «عند دراسة الطعن، يطلب رئيس المجلس الدستوري محضر الجلسة التشريعية التي أُقرّ فيها قانون العفو من رئيس مجلس النواب ​نبيه بري​، ومعه أيضًا يطلب التسجيلات الصوتية لوقائع الجلسة. وبعد إجراء مقارنة بين المحضر والتسجيلات الصوتية من جهة، والصيغة النهائية لقانون العفو التي صدرت في الجريدة الرسمية من جهة أخرى، وإذا تبيّن أن المجلس النيابي صوّت على نص ونُشر في الجريدة الرسمية نصٌّ آخر كليًا، حُكمًا يُبطل المجلس الدستوري القانون، لكونه يخالف مبدأ إقرار القوانين في مجلس النواب، ولأن النص الدستوري يفرض نشر القانون كما صوّت عليه مجلس النواب، وليس بصيغة معدّلة».

أبرز ما في هذا الكلام أنه ينطلق من سابقة، إذ يعود المرجع الدستوري الكبير بالذاكرة إلى العام 2017. يومها، أبطل المجلس الدستوري قانون زيادة الضرائب والرسوم لتغطية زيادة رواتب الموظفين، وعلّل قرار الإبطال بأنه، ولدى مراجعته محضرَ وتسجيلاتِ الجلسة التشريعية، تبيّن أن عدد النواب الذين صوّتوا مع القانون لم يتخطَّ الأربعة فقط.

وعلى الرغم من ذلك، كرّر الرئيس بري عبارته الشهيرة «صُدّق» و«مرّق» القانون، علمًا أن محضر الجلسة وثّق خلال عملية التصويت «حالة هرج ومرج داخل القاعة»، وكشف أن «التصويت حصل في الوقت الذي بدأ فيه عددٌ كبيرٌ من النواب بالخروج من القاعة».

إذًا، في المرحلة الأولى، أوقف المجلس الدستوري تنفيذ القانون نظرًا إلى ما رآه من ضرر قد ينجم عن هذا التنفيذ، لناحية إطلاق سراح آلاف السجناء بناءً على قانون مزوّر.

وإذا استمرّ هذا المسار في الاتجاه عينه وأُبطل القانون، يبقى السؤال: هل سيتمكّن مجلس النواب مجددًا من تأمين شبه توافق سياسي لإقرار العفو-الفضيحة؟